
تستعد حلبات السباق في تركيا لاستعادة هدير محركات الفئة الأولى، مع عودة بطولة العالم لسباقات «فورمولا 1» إلى مدينة إسطنبول اعتباراً من العام المقبل.
ويرى محللون، نقل عنهم موقع AGBI، أن هذه الخطوة لن تكتفي بتعزيز الحضور العالمي للمدينة فحسب، بل ستشكل رافداً حيوياً للإيرادات الوطنية، خاصة في ظل البنية التحتية الجاهزة التي تمتلكها، مما يقلل من التكاليف التأسيسية ويرفع من صافي العوائد الاقتصادية المتوقعة.
أعلنت الحكومة التركية عن توصلها إلى اتفاق رسمي مع «الاتحاد الدولي للسيارات» (FIA) لاستضافة سباقات «الجائزة الكبرى» (Grand Prix) مجدداً. ووصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذه العودة بأنها انتصار لشغف البلاد بالرياضة، مشيراً في الوقت ذاته إلى التحديات التي واجهت جدول سباقات العام الحالي نتيجة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، مضيفاً أن «سباقات فورمولا 1 التي ستُقام في حلبة (إسطنبول بارك) لمدة 5 سنوات على الأقل، ستدعم مكانة إسطنبول عالمياً».
يُذكر أن الاضطرابات الإقليمية أدت إلى إلغاء سباقي البحرين والسعودية في أبريل الماضي، ما قلص موسم 2026 من 24 سباقاً إلى 22 سباقاً فقط.
تمتلك إسطنبول حلبة ومرافق مجهزة خصيصاً لهذا الغرض، إلى جانب خبرة تراكمية من استضافة السباقات بين عامي 2005 و2011، وعودتها الاستثنائية في عامي 2020 و2021 لسد الثغرات التي خلفتها جائحة كورونا.
ومن المتوقع أن يكون للسباق مردود مالي ضخم؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن نسخة عام 2021 وحدها حققت إيرادات وصلت إلى 150 مليون دولار.
من جانبه، اعتبر علي أوناران، رئيس مجلس إدارة وكالة «برونتو تور» (Prontotour) المتخصصة في قطاع السياحة، أن عودة «فورمولا 1» تمثل دفعة قوية للقطاع في وقت حرج. وأوضح في تصريحاته أن هذا النوع من السباقات يستهدف «سوقاً نوعياً»، مما يجذب شريحة من العملاء ذوي الملاءة المالية العالية الذين ينفقون بشكل أكبر مقارنة بالسياح العاديين.
وأكد أوناران أن القيمة المضافة تتجاوز مجرد إشغال الفنادق والمطاعم، قائلاً: «الأهم من ذلك هو تسليط الضوء على إسطنبول كوجهة سياحية أمام الملايين خلف الشاشات. هؤلاء الشباب الذين يشاهدون السباق اليوم بعمر الثامنة عشرة، سيكونون هم زوار إسطنبول في غضون ثلاث سنوات».
لا تنظر الدوائر الاقتصادية في أنقرة إلى عودة «فورمولا 1» كمجرد حدث رياضي، بل كأداة لرفع «جودة الإيرادات» السياحية. وتُظهر البيانات المالية الصادرة عن شركة «فيزا» (Visa) لقطاع السياحة الوافدة، أن مشجع «فورمولا 1» ينتمي غالباً إلى فئة «النخبة الاقتصادية»؛ حيث يتجاوز معدل إنفاقه ما بين 3 إلى 5 أضعاف إنفاق السائح العادي.
هذا التدفق النقدي، الذي ينمو بنسبة تقارب 45% خلال أسبوع السباق وفق تقارير الشركة، لا يقتصر على تذاكر المنصة، بل يمتد ليشمل قطاعات الطيران الخاص، الفنادق الفاخرة، والتسوق لعلامات تجارية كبرى.
ويخدم هذا التوجه «استراتيجية السياحة التركية 2028» التي تستهدف رفع العوائد السنوية إلى 100 مليار دولار بحلول العقد المقبل بدلاً من التركيز حصراً على الأعداد المليونية، مما يساهم في ضخ سيولة فورية بالعملة الصعبة في الاقتصاد المحلي.
يمثل السباق ركيزة أساسية في معالجة أحد أكبر تحديات السياحة التركية وهو «التذبذب الموسمي». فوفقاً لتقارير «منظمة السياحة العالمية» (UNWTO)، تساهم هذه الفعاليات الكبرى في توزيع الطلب السياحي على مدار العام؛ إذ تضمن إقامة السباق في فصلي الربيع أو الخريف استمرارية معدلات الإشغال المرتفعة للفنادق خارج أوقات الذروة الصيفية، ما يحافظ على استدامة الوظائف والتدفقات المالية.
علاوة على ذلك، تتجاوز القيمة الاقتصادية للحدث حدود عطلة نهاية الأسبوع الى بناء ولاء «سائح المستقبل»؛ فالدراسات الصادرة عن «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) تشير إلى أن حوالي 35% من الزوار الذين يكتشفون مدينة ما لأول مرة عبر بوابة الفعاليات الرياضية، يعودون إليها كـ«سياح ترفيهيين» في غضون عامين.
ويحول هذا «الأثر المتكرر» سباق «فورمولا 1» إلى أضخم حملة ترويجية مجانية تضع إسطنبول في ذاكرة أكثر من 1.5 مليار مشاهد حول العالم كوجهة رائدة للرياضة والأعمال.