%22 من دخل العمالة السورية من الزراعة

لم تمرّ عودة السوريين من لبنان بوصفها حدثاً إنسانياً فحسب، بل كتحوّل اقتصادي ترك بصمته على سوق العمل ووتيرة الإنتاج. فمع صدور البيانات النهائية لعام 2025 وبداية عام 2026، يتضح أن تسارع هذه العودة شكّل صدمة اقتصادية صامتة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول توازنات سوق العمل، لا سيما بعد أكثر من عقد كان فيه الوجود السوري عنصراً أساسياً في تشغيل قطاعات واسعة من الاقتصاد اللبناني، قبل أن يقلب الخروج الجماعي معادلات العرض والطلب في سوق تعاني أصلاً من انكماش حاد ونقص في السيولة.
وبحسب بيانات «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» (UNHCR)، عاد أكثر من مليون سوري خلال عام 2025 إلى سوريا، من بينهم نحو 332 ألفاً غادروا لبنان، من أصل أكثر من 722 ألف سوري مسجّلين رسمياً في البلاد. وتوضح المفوضية أن هذه الأرقام لا تشمل عشرات الآلاف من السوريين الذين كانوا يقيمون أو يعملون من دون وضع قانوني، ما يرجّح أن الحجم الفعلي للخروج أكبر من المعلن.
وتعكس هذه الأرقام، وفق محللين اقتصاديين وتقارير صادرة عن «منظمة العمل الدولية» (ILO)، اختلالاً مفاجئاً في جانب العرض بسوق العمل اللبنانية، مع خروج كتلة بشرية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة من دون أن يواكب ذلك أي استعداد مؤسسي أو بدائل تشغيلية. ويُجمع محللون على أن سرعة هذا الخروج، لا حجمه فقط، تُعد العامل الأكثر إرباكاً لتوازنات سوق العمل والاقتصاد اللبناني.
تتركز آثار التحوّل في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، وهي قطاعات اعتمدت تاريخياً على العمالة السورية في الأعمال الموسمية أو كثيفة الجهد. وتؤكد تقارير «تقييم الفقر والضعف للاجئين السوريين» (VASyR 2025) أن أكثر من 90% من السوريين العاملين في لبنان يشغلون وظائف منخفضة الأجر وعالية الكثافة الجسدية، ما جعلهم عنصر تشغيل أساسياً يصعب تعويضه سريعاً.
وتُظهر البيانات نفسها أن الزراعة تمثل نحو 22% من مصادر دخل الأسر السورية العاملة في لبنان، فيما يشكّل قطاع البناء نحو 15%، وهو ما يعكس تركّز هذه العمالة في وظائف تعتمد على الجهد البدني مقابل أجور متواضعة.
تؤكد متابعات سوق العمل أن مغادرة السوريين بدأت تنعكس عملياً في تباطؤ الإنتاج وارتفاع كلفة التشغيل في عدد من القطاعات، مع صعوبة إيجاد بدائل محلية مستعدة لشغل الوظائف نفسها في ظل شروطها الحالية.
وفي غياب بيانات رسمية دقيقة لقياس حجم الفجوة في اليد العاملة، تعكس مؤشرات السوق خلال الأشهر الأولى من عام 2025 اتساع هذا النقص، مع تسجيل تأخر ملحوظ في تنفيذ مشاريع البناء والترميم خلال الربع الأول من العام، بالتوازي مع صعوبات متزايدة في تأمين العمالة الموسمية في القطاع الزراعي، وفق تقديرات نقابات وجمعيات مزارعين. كما بدأت تظهر ضغوط صعودية محدودة على أجور بعض الأعمال الشاقة، نتيجة تراجع المعروض من اليد العاملة مقارنة بحجم الطلب القائم.
يأتي ذلك في توقيت بالغ الحساسية، إذ لا يزال الاقتصاد اللبناني يعاني من تداعيات واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالمياً منذ القرن التاسع عشر، بحسب توصيف «البنك الدولي» في تقاريره الأخيرة، مع استمرار انكماش الناتج المحلي وتراجع القدرة الشرائية.
في مواجهة هذا التحول، تتعامل الحكومة اللبنانية مع الملف باعتباره مساراً واسع النطاق لإدارة عودة اللاجئين، وليس مجرد حركة فردية عابرة. وأعلنت السلطات اللبنانية أن إجمالي المغادرين السوريين من لبنان تجاوز 500 ألف شخص خلال عام 2025، وفق بيانات المديرية العامة للأمن العام اللبناني التي أُعلن عنها في يناير 2026. وتشمل هذه الأرقام مسجّلين وغير مسجّلين لدى المفوضية، مع قيام الأخيرة بشطب أسماء المغادرين المسجّلين من قواعد بياناتها بعد التحقق من مغادرتهم الفعلية. وتواصل اللجنة الحكومية المعنية متابعة تنفيذ العودة المنظمة خلال عام 2026، بالتنسيق مع دمشق والشركاء الدوليين.
في المقابل، تشارك وكالات أممية في دعم العودة عبر برامج تشمل مساعدات نقدية مباشرة، ودعماً قانونياً ونفسياً، وبرامج معيشية محدودة، من بينها تقديم نحو 100 دولار للفرد عند المغادرة و600 دولار لكل عائلة عند الوصول إلى سوريا. غير أن تقارير أممية صادرة عن «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية» (OCHA) و«المنظمة الدولية للهجرة» (IOM) تؤكد أن أثر هذه المساعدات يبقى مؤقتاً، ولا يعالج جذور الأزمة الاقتصادية، في ظل محدودية فرص العمل واستمرار التحديات المعيشية والأمنية في مناطق العودة.
لا تقف تداعيات العودة عند الحدود اللبنانية. فداخل سوريا، يواجه العائدون واقعاً اقتصادياً بالغ القسوة، رغم انحسار العمليات العسكرية الواسعة. وتؤكد تحديثات المفوضية أن البلاد لا تزال تعيش تداعيات أزمة إنسانية ممتدة دخلت عامها الرابع عشر، مع حاجة نحو 16.7 مليون شخص، أي قرابة 90% من السكان، إلى مساعدات إنسانية، في ظل ضعف فرص العمل، وتآكل الخدمات الأساسية، واستمرار اختلالات السكن وسبل العيش.
كما تشير بيانات أممية حديثة إلى أن واحداً من كل أربعة سوريين لا يزال يعيش في فقر مدقع، فيما يقبع نحو ثلثي السكان تحت خط الفقر الأدنى للبلدان متوسطة الدخل، مع محدودية فرص العمل والتعليم والسكن في مناطق واسعة من البلاد. وتفسر هذه المعطيات لماذا اضطر بعض العائدين إلى مغادرة البلاد مجدداً بعد محاولات للاستقرار.
تكشف موجة العودة أن لبنان يواجه صدمة مزدوجة؛ خروجاً جماعياً لليد العاملة من جهة، وغياب بدائل جاهزة من جهة أخرى. فالاقتصاد، الذي اعتاد على توفر عرض واسع من العمالة منخفضة الكلفة، يجد نفسه اليوم أمام معادلة جديدة ترفع الكلفة وتضغط على الإنتاج، في وقت لا تملك فيه الدولة أدوات مالية أو سياسات تشغيلية فعّالة للتدخل.
في المقابل، تعود أعداد كبيرة من السوريين إلى بلد ما زال عاجزاً عن استيعابهم اقتصادياً، ما يجعل مسار العودة هشّاً وقابلاً للانعكاس. وبين هذين المسارين، تتكرس الصدمة بوصفها تحولاً هيكلياً لا حدثاً عابراً، ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على سوق العمل، وكلفة الإنتاج، والتوازنات الاجتماعية في لبنان خلال السنوات المقبلة.