
أعاد التراجع الأخير في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي تسليط الضوء على مخاطر الطفرة الاستثمارية التي يشهدها القطاع، مع ارتفاع التضخم وتكاليف التمويل، بما يهدد الاستثمارات الضخمة الممولة بالديون لبناء مراكز البيانات، وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة هذه المشروعات على تحقيق عوائد مستدامة.
وشهد أداء أسهم الذكاء الاصطناعي تراجعاً حاداً خلال الأيام الماضية، في مؤشر على إدراك المستثمرين أحد أبرز المخاطر التي تواجه القطاع، وهو احتمال تعثر خطط الإنفاق الرأسمالي التي تصل إلى تريليونات الدولارات، وفق تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال».
لكن الخطر الأكبر، بحسب الصحيفة، قد يتمثل في استمرار عمليات البناء والتوسع بالوتيرة الحالية، رغم تزايد المخاوف بشأن تكلفة التمويل والعوائد المنتظرة، بما قد يؤدي إلى ضخ استثمارات هائلة في بنية تحتية لا تحقق إيرادات كافية لتبرير تكلفتها.
تساعد الأرباح الاستثنائية التي تحققها الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في حجب هذه المخاطر وطمأنة المستثمرين، لكنها لا تضمن استمرار النمو بالوتيرة نفسها مع تراجع الإنفاق على بناء البنية التحتية مستقبلاً.
لكن المكاسب التي حققتها شركات القطاع لا تعكس بالضرورة توقعات باستدامة طفرة الأرباح الحالية؛ إذ تظل هناك تساؤلات بشأن قدرة الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي على مواكبة الاستثمارات المتزايدة في الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات ومعدات الحوسبة.
وتبرز هذه المخاوف مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، إذ تعتمد شركات عديدة على التمويل بالدين لتوسيع قدراتها الحاسوبية وبناء مراكز بيانات جديدة. ويؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة أعباء هذه المشروعات، ويجعل تحقيق العوائد المستهدفة أكثر صعوبة، خصوصا إذا تأخر نمو الإيرادات عن التوقعات.
وتعكس الضغوط الحالية تحول اهتمام المستثمرين من التركيز على فرص النمو التي يتيحها الذكاء الاصطناعي إلى التدقيق في قدرة الشركات على تحويل الاستثمارات الضخمة إلى تدفقات نقدية وأرباح مستدامة.
واستند تقرير «وول ستريت جورنال» إلى تجارب تاريخية لمشروعات رأسمالية ضخمة، من بينها التوسع في بناء السكك الحديدية والطفرة المرتبطة بالإنترنت، مشيرًا إلى أن التحولات التكنولوجية الكبرى لا تضمن بالضرورة تحقيق مكاسب استثمارية لجميع المشاركين فيها.
فقد أسهمت هذه المشروعات في إحداث تحولات اقتصادية وتكنولوجية واسعة، لكنها شهدت أيضا فترات من الإفراط في الاستثمار والمنافسة والإنفاق الذي لم يحقق العوائد التي توقعها المستثمرون.
وتتمثل المقارنة مع طفرة الذكاء الاصطناعي في أن التوسع السريع في البنية التحتية قد يخلق قدرات تفوق الطلب الفعلي، أو يضغط على العوائد عندما تشتد المنافسة وتتراجع الحاجة إلى مواصلة الإنفاق بالمعدلات السابقة.
وبحسب التحليل، فإن حجم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، الذي تشير تقديراته إلى نحو 9 تريليونات دولار، يثير تساؤلات بشأن الجدوى الاقتصادية لهذه الطفرة إذا لم تنجح الشركات في تحويل القدرات التقنية الجديدة إلى مكاسب إنتاجية وإيرادات يدفع العملاء مقابلها.
ولا يقتصر التحدي أمام شركات الذكاء الاصطناعي على استمرار الطلب على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات، وإنما يتعلق أيضا بقدرة الشركات على الانتقال من مرحلة الاستفادة من الإنفاق الضخم على بناء البنية التحتية إلى مرحلة تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
فإذا لم يترجم انتشار هذه التقنيات إلى تحسينات ملموسة في الإنتاجية وخدمات تحقق إيرادات كافية، فقد تواجه الشركات صعوبة في تبرير استمرار الإنفاق بالمستويات الحالية، حتى مع تحقيق بعضها أرباحا قوية في الوقت الراهن.
ويخلص التقرير إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تثبت بعد قدرتها على تجنب المشكلات التي واجهت مشروعات رأسمالية كبرى في الماضي، ما يجعل استمرار الإنفاق بوتيرة مرتفعة دون وضوح العوائد المحتملة أحد أبرز مصادر القلق لدى المستثمرين.