logo
اقتصاد

أزمة بنك التنمية الوطني المغربي.. فضيحة مالية فرضت إصلاحات مصرفية

أزمة بنك التنمية الوطني المغربي.. فضيحة مالية فرضت إصلاحات مصرفية
موقع إنشاءات لمباني الحي المالي في الدار البيضاء بالمغرب - 10 أكتوبر 2023.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

بعد عقود من الاضطلاع بدور محوري في تمويل الصناعة والبنية التحتية بالمغرب، انتهت رحلة «البنك الوطني للتنمية الاقتصادية» (BNDE) بأزمة مالية عميقة وفضيحة هزّت واحدة من أبرز المؤسسات المصرفية العمومية في المملكة.

وبينما كشفت الأزمة عن اختلالات في الحوكمة وإدارة المخاطر وتراكم الديون المتعثرة، أسهمت تداعياتها في دفع السلطات المغربية إلى إعادة صياغة قواعد الرقابة المصرفية وتعزيز المعايير الاحترازية، لتتحول قصة انهيار البنك من إخفاق مالي إلى محطة في مسار تحديث القطاع البنكي بالمغرب، وفقاً لما أفاد به تقرير مجلة «جون أفريك» الفرنسية.

أخبار ذات صلة

موظفون مغاربة في مركز اتصال في الرباط، المغرب - 14 يونيو 2006.

الأتمتة تهدد قطاعاً واعداً في المغرب.. هل تنجو آلاف الوظائف؟

بنك في قلب استراتيجية التصنيع

تأسس «البنك الوطني للتنمية الاقتصادية» عام 1959، بالتزامن مع إنشاء صندوق «الإيداع والتدبير»، في عهد حكومة عبد الله إبراهيم، قبل أن تنضم مؤسسة «التمويل الدولية»، التابعة لمجموعة البنك الدولي، إلى مساهميه عام 1962.

وأدى البنك على مدى عقود دوراً رئيساً في تمويل الاستثمارات الصناعية والمساهمة في إنشاء آلاف الشركات، ليصبح أحد أبرز الأذرع المالية للدولة في دعم التصنيع وتطوير البنية التحتية، إلا أن المؤسسة بدأت تفقد توازنها المالي مع مطلع الألفية الجديدة، وسط اختلالات في الإدارة والحوكمة وأنظمة الرقابة، بالتزامن مع تراكم القروض المتعثرة وتراجع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

ديون متعثرة وفضيحة مالية

بحسب دراسة أكاديمية أعدها هشام صافي الدين، أستاذ القانون والأعمال في جامعة الأخوين، فإن أحد جذور أزمة البنك الوطني تكمن في نظام محاسبي لم يكن متوافقاً مع المعايير الاحترازية الدولية.

وتحولت الأزمة لاحقاً إلى قضية مالية وقضائية واسعة، بعدما كشفت تحقيقات رسمية عن منح قروض دون ضمانات كافية ومخالفات مالية وإدارية.

وفي 2004، أُلقي القبض على فريد ديليرو، الرئيس التنفيذي السابق للبنك، قبل أن يُدان لاحقاً بالسجن لمدة عامين ودفع تعويضات بلغت 145 مليون درهم.

وأظهر تقرير للمفتشية العامة للمالية حجم التدهور المالي للمؤسسة، حيث تراجعت أموالها الذاتية من نحو 1.25 مليار درهم في 2000 إلى 63 مليون درهم فقط في 2001.

في الوقت نفسه، بلغت قيمة الديون المتعثرة نحو 6.5 مليار درهم، بينما وصلت الديون محل النزاعات القضائية إلى قرابة 4 مليارات درهم.

كشف التقرير كذلك عن اختلالات مرتبطة بتمويل استثمارات جديدة بقيمة تقارب مليار درهم، بما في ذلك شراء وكالات مصرفية لم تدخل حيز التشغيل، رغم الصعوبات المالية التي كان البنك يواجهها.

أخبار ذات صلة

أحد فروع «التجاري وفا بنك»، الدار البيضاء، المغرب، 22 فبراير 2022.

طفرة المشاريع الكبرى تسرّع نمو أرباح البنوك المغربية

تفكيك الذراع التمويلية للدولة

مع تفاقم الأزمة، أطلقت السلطات المغربية خطة لإعادة هيكلة البنك، وأسندت في 2003 عملية إعادة تنظيمه إلى صندوق  «الإيداع والتدبير»، إلا أن جهود الإنقاذ لم تكن كافية للحفاظ على المؤسسة كمصرف مستقل، إذ سُحب ترخيصها المصرفي في 2006، لتدخل مرحلة التصفية.

وامتدت عملية إعادة الهيكلة إلى عدد من الشركات التابعة والأصول المرتبطة بالبنك، وفي مقدمتها «البنك المغربي لإفريقيا والشرق»، الذراع التجارية لـ«البنك الوطني للتنمية الاقتصادية»، الذي بيع إلى «القرض الفلاحي للمغرب» مقابل درهم رمزي.

وكان «البنك المغربي لإفريقيا والشرق» قد نشأ في إطار مغربة فرع «بريتيش بنك أوف ذا ميدل إيست» عام 1975، وامتلك شبكة تضم 27 وكالة، بينها 13 في الدار البيضاء.

كما شملت عملية إعادة الهيكلة شركات أخرى، بينها «مغرب ليزينغ»، و«سوما ديت»، و«فيبار هولدينغ»، إضافة إلى «كارنو المغرب» المتخصصة في صناعة العبوات المعدنية.

أخبار ذات صلة

متطوعون من الصليب الأحمر يوزعون الطعام على مهاجرين، على شاطئ ترامبولين في سبتة، 22 أغسطس 2026.

أزمة سبتة.. هل تتحول الطاقة إلى ورقة ضغط بين إسبانيا والمغرب؟

إرث مصرفي يتجاوز التصفية

لم تنتهِ تداعيات الأزمة بسحب الترخيص، إذ استمرت عملية تصفية البنك لسنوات بسبب تعقيدات قانونية ونزاعات مرتبطة بالديون والأصول العقارية.

وأوضح التقرير أن الأزمة كشفت كلفة ضعف الإدارة ومنح تمويلات لعملاء غير قادرين على السداد، بعدما كان البنك يتمتع لعقود بثقة المؤسسات الدولية، بينها مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي، إلا أن انهيار البنك تزامن أيضاً مع مرحلة بدأ فيها المغرب تعزيز الإطار التنظيمي للقطاع المصرفي وتطوير أدوات الرقابة وإدارة المخاطر.

دفعت التجربة السلطات المغربية إلى تشديد القواعد الاحترازية وتعزيز الرقابة على المؤسسات البنكية، في إطار مسار أوسع لتحديث النظام المصرفي.

وفي هذا السياق، اعتمد المغرب معايير «بازل 2» ثم «بازل 3»، وهي قواعد دولية لتنظيم عمل البنوك وحماية النظام المالي من الانهيار، بما عزز متطلبات رأس المال وإدارة المخاطر والقدرة على مواجهة الصدمات المالية.

كما جرى تطوير الإطار القانوني والرقابي للتعامل مع الأزمات المصرفية ومنح السلطات أدوات أوسع للتدخل عند ظهور مخاطر تهدد استقرار المؤسسات المالية.

كما أن إرث البنك لم يقتصر على خسارة مؤسسة كانت لعقود إحدى أدوات الدولة لتمويل الصناعة والاقتصاد، بل امتد إلى إعادة النظر في قواعد الحوكمة والرقابة وإدارة المخاطر داخل القطاع المصرفي.

وأكد تقرير المجلة الفرنسية أنه بعد أكثر من عقدين على انهياره، لا تزال عملية تصفية البنك شاهدة على الكلفة المالية والقانونية لتراكم الاختلالات، فيما أصبحت تجربته إحدى المحطات التي رافقت تحول القطاع البنكي المغربي نحو إطار رقابي أكثر تشدداً واتساقاً مع المعايير الدولية.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف