logo
طاقة

مصفاة «سامير».. لماذا لم يعد تشغيلها مجرد ملف اقتصادي للمغرب؟

مصفاة «سامير».. لماذا لم يعد تشغيلها مجرد ملف اقتصادي للمغرب؟
«سامير»، مصفاة النفط الوحيدة في المغرب، المحمدية قرب الدار البيضاء، 22 يونيو 2019.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

بعد عقد على توقف «سامير»، لم يعد مصير المصفاة الوحيدة في المغرب مجرد ملف قضائي عالق، بل تحول إلى قضية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة وكلفة الاعتماد على واردات المنتجات النفطية المكررة.

وبينما أخفقت محاولات متكررة لإعادة تشغيل المنشأة، تعمل الرباط على بناء هامش أمان جديد عبر توسيع قدرات التخزين وتنويع مصادر الإمدادات، في محاولة لتقليص تداعيات فقدان منشأة كانت تمثل أحد أهم أصول المملكة الصناعية والاستراتيجية.

ووفق تقرير لمجلة «جون أفريك»، رفضت المحكمة منذ إطلاق عمليات المنافسة في 2017 ما لا يقل عن 15 عرضاً لإعادة شراء الشركة، ما يعكس استمرار تعقيدات الملف بعد سنوات من التصفية القضائية.

أخبار ذات صلة

متطوعون من الصليب الأحمر يوزعون الطعام على مهاجرين، على شاطئ ترامبولين في سبتة، 22 أغسطس 2026.

أزمة سبتة.. هل تتحول الطاقة إلى ورقة ضغط بين إسبانيا والمغرب؟

خصخصة تحولت إلى أزمة

تأسست «سامير» عام 1959 بالشراكة بين المغرب وشركة النفط الإيطالية «إيني»، قبل تأميمها في 1973، لتصبح أحد رموز السيادة الصناعية والطاقة في المملكة.

وفي إطار سياسة الخصخصة وتحرير الاقتصاد خلال تسعينيات القرن الماضي، باعت الدولة الشركة عام 1997 إلى مجموعة «كورال بتروليوم» التابعة لرجل الأعمال السعودي محمد العمودي مقابل نحو 4 مليارات درهم.

وتضمنت الصفقة التزامات باستثمار نحو 5 مليارات درهم في منشآت المصفاة، إلى جانب ترتيبات جمركية لحماية نشاط التكرير المحلي لمدة محددة، إلا أن تنفيذ الاستثمارات تأخر، بينما تراكمت المشكلات التشغيلية والمالية.

في 2002، أدى حريق في مصفاة المحمدية إلى مقتل شخصين وإلحاق أضرار كبيرة بالمنشآت، ما أثر في قدرتها الإنتاجية.

تجدر الإشارة إلى أنه مع تنامي مخاطر نقص الوقود، علقت السلطات الرسوم الجمركية على واردات المنتجات النفطية المكررة، ما أنهى عملياً الحماية التي كانت تتمتع بها المصفاة وفتح المجال أمام زيادة الواردات.

رغم إطلاق استثمارات لاحقة، من بينها وحدة «الهيدروكراكنغ» التي دخلت الخدمة عام 2010، لم تتمكن المصفاة من تجاوز أزمتها المالية، حيث سجلت خسارة صافية بلغت نحو 325 مليون يورو في 2014، مقابل إيرادات بنحو 4.1 مليار يورو، قبل أن تتكبد خسارة إضافية قدرها 206 ملايين يورو خلال النصف الأول من 2015.

وفي أغسطس من العام نفسه، توقفت المصفاة عن العمل، لتدخل بعدها مرحلة التصفية القضائية، تاركة وراءها منشأة بطاقة تكريرية تبلغ نحو 10 ملايين طن سنوياً، إضافة إلى نحو مليوني متر مكعب من قدرات تخزين المنتجات النفطية.

ميناء طنجة المتوسط، المغرب، 31 مارس 2026.
ميناء طنجة المتوسط، المغرب، 31 مارس 2026.المصدر: شاترستوك

ديون بمليارات ونزاع دولي

كشفت التصفية عن ديون تتجاوز 4 مليارات يورو مستحقة لنحو 400 دائن، بينهم إدارة الجمارك وثلاثة من أكبر البنوك المغربية، وهي «التجاري وفا بنك» و«البنك الشعبي المركزي» و«بنك أفريقيا».

وتطور النزاع لاحقاً إلى قضية تحكيم دولي، بعدما لجأت مجموعة «كورال» إلى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار «سيردي»، متهمة الدولة المغربية بالإضرار باستثماراتها وتفضيل منافسين محليين.

وفي 2024، قضى المركز بإلزام المغرب بدفع 150 مليون دولار للعمودي، مقابل مطالبة بلغت 2.7 مليار دولار. وبذلك أضيفت كلفة النزاع القضائي إلى التداعيات الاقتصادية الواسعة لتوقف المصفاة.

ووفق دراسة نشرتها مجلة (Scientific African) في 2025، بلغت الخسائر الاقتصادية المرتبطة بتوقف «سامير» نحو 66.5 مليار درهم، بما يعادل 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي و1.7% من القيمة المضافة، وفق تقديرات الدراسة.

أخبار ذات صلة

رافعات وسفن شحن في ميناء الدار البيضاء المغربي، يوم 5 أكتوبر 2023

المغرب بين واشنطن وبكين.. هل يتحول التنافس التجاري إلى فرصة للرباط؟

التخزين بديلاً عن التكرير

اتّجه المغرب مع استمرار تعثر إعادة تشغيل «سامير»، إلى تعزيز قدراته التخزينية باعتبارها أداة رئيسية لتقوية أمن الطاقة وتقليل مخاطر اضطرابات الأسواق العالمية.

وقالت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي إن الطاقة التخزينية للمنتجات النفطية في المملكة بلغت نحو 3.2 مليون متر مكعب في 2025، بزيادة 30% منذ 2021.

تستهدف الحكومة إضافة 1.5 مليون متر مكعب أخرى إلى قدرات التخزين بحلول 2030، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز مخزونات الوقود ورفع قدرة المملكة على مواجهة تقلبات الإمدادات والأسعار.

وبذلك، أعادت أزمة المصفاة تشكيل أولويات سياسة الطاقة المغربية، فبعدما كان تشغيل المصفاة يمثل ركيزة أساسية في منظومة تأمين الوقود، بات التركيز ينصب بصورة أكبر على التخزين وتنويع مصادر الاستيراد وبناء احتياطيات قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

وبعد عشر سنوات من التوقف، لا يزال مستقبل «سامير» معلقاً بين عروض استحواذ لم تكتمل، ونقاش حول دور الدولة في إدارة الأصول الاستراتيجية، فيما تواصل المملكة بناء منظومة أمن طاقة لا تعتمد حصراً على عودة المصفاة إلى الإنتاج.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف