
بعد عامين من التقلبات الحادة، بدأت العملات الإفريقية تستعيد قدراً من الاستقرار خلال عام 2025، مدفوعة بتراجع قوة الدولار الأميركي وتحسن الأوضاع الاقتصادية والمالية في عدد من دول القارة.
وسجلت العملات الإفريقية من النيرة النيجيرية إلى الفرنك الكونغولي، مروراً بالسيدي الغاني والدرهم المغربي، أداءً أفضل مقارنة بعامي 2023 و2024، اللذين شهدا تراجعات تاريخية أمام العملة الأميركية.
ووفق تقرير نشرته مجلة «جون أفريك» الفرنسية، فإن موجة الاضطرابات التي ضربت العملات الإفريقية في السنوات الماضية جاءت نتيجة تداخل صدمات عالمية متتالية، شملت تداعيات جائحة «كورونا»، والحرب في أوكرانيا، واضطرابات سلاسل الإمداد، إضافة إلى موجة تضخم عالمية دفعت مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تشديد سياسته النقدية بشكل غير مسبوق.
ورفع بنك «الاحتياطي الفيدرالي» خلال تلك الفترة أسعار الفائدة بوتيرة سريعة، ما أدى إلى ارتفاع الدولار وخروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها الأسواق الإفريقية، وكانت النتيجة هبوطاً حاداً في معظم العملات المحلية، حيث سجلت أكثر من 20 عملة إفريقية أدنى مستوياتها التاريخية أمام الدولار.
وبدأ المشهد يتغير في 2025، حيث خفف بنك «الاحتياطي الفيدرالي» من وتيرة التشديد النقدي، وأقدم على ثلاث خفضات متتالية لأسعار الفائدة، ليصل النطاق المستهدف إلى ما بين 3.5% و3.75% في اجتماع ديسمبر،و هذا التحول أسهم في إضعاف الدولار وتحسين ظروف التمويل عالمياً.
وتقول فيليس بابادافيد، المحللة في «معهد التنمية لما وراء البحار» (ODI)، إن تراجع أسعار الفائدة الأميركية «خفف الضغوط على العملات الإفريقية وساعد في تحسين تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة، حيث يبحث المستثمرون عن عوائد أعلى».
ولعب تحسن المؤشرات الاقتصادية المحلية دوراً محورياً في دعم العملات الإفريقية إلى جانب العامل الخارجي، حيث سجلت عدة دول معدلات نمو قوية، وتراجعت معدلات التضخم بشكل ملحوظ، وتحسنت أوضاع المالية العامة والحسابات الجارية، مع ارتفاع مستويات الاحتياطيات من النقد الأجنبي.
وفي نيجيريا، استعادت النيرة قدراً من الاستقرار بعد أن فقد نحو 70% من قيمته نتيجة تخفيضين حادين في 2023 و2024.
كما اسهمت الإصلاحات التي أطلقتها الحكومة، وفي مقدمتها اعتماد منصة «بلومبيرغ بي ماتش» لمطابقة الصفقات في سوق الصرف، إلى جانب إقرار قانون جديد للصرف الأجنبي، في تعزيز الشفافية والسيولة.
ودعمت السياسة النقدية المتشددة هذا المسار، بعدما رفع البنك المركزي النيجيري سعر الفائدة إلى مستويات قياسية.
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، سجل الفرنك انتعاشاً لافتاً مدعوماً بتدخلات مدروسة من البنك المركزي في الكونغو، شملت بيع عملات أجنبية للبنوك، وتشديد الرقابة على سوق الصرف، إذ أسهم تراجع التضخم إلى نحو 2% في تمهيد الطريق لخفض سعر الفائدة ودعم استقرار العملة.
وفي غانا، عاد السيدي بقوة بعد أن كان الأضعف أداءً في 2024، حيث استفادت العملة من سياسة نقدية صارمة، وتراجع التضخم إلى أقل من 7%، إضافة إلى تعزيز احتياطيات الذهب، ضمن برنامج إصلاحي مدعوم من صندوق النقد الدولي.
وفي المقابل، حافظ الفرنك الإفريقي (CFA) على استقراره بفضل ارتباطه باليورو، فيما بقي الدرهم المغربي مستقراً مدعوماً بسلة عملات تضم اليورو والدولار، إلى جانب سياسة نقدية حذرة ومؤشرات اقتصادية متماسكة.
وكذلك حقق الراند الجنوب إفريقي، مكاسب تقارب 10% خلال العام، مدعوماً بارتفاع أسعار المعادن، ولا سيما الذهب، واستقرار معدلات التضخم وتحسن الميزان التجاري.
ويخلص التقرير الى انه ورغم استمرار المخاطر المرتبطة بالاقتصاد العالمي، يشير أداء 2025 إلى تحول لافت في مسار العملات الإفريقية، يعكس مزيجاً من سياسات نقدية أكثر انضباطاً وإصلاحات هيكلية بدأت تؤتي ثمارها، في بيئة دولية أقل تشدداً مما كانت عليه في السابق.