أدوات جديدة لاختبار قدرات تحمل الصدمات وتحديد الدول الأكثر عرضة للخطر

أكد كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي، ألبرت بارك، أن القارة تدخل مرحلة بالغة الحساسية اقتصادياً، مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتحولها إلى عنصر مباشر في تقييم الجدارة الائتمانية للدول.
بارك، وفي حديث خاص لـ«إرم بزنس»، أوضح أن حدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، تواصل الحرب في أوكرانيا، وتصاعد توترات الشرق الأوسط، لم تعد عوامل خارجية، بل متضمنة داخل بنية نماذج التحليل المالي للبنك.
وأشار إلى أن بنك التنمية الآسيوي بدأ استخدام اختبارات إجهاد جيوسياسية لقياس قدرات الاقتصادات الآسيوية على تحمّل الصدمات، وتحديد الدول الأكثر عرضة للمخاطر.
كما حذّر: «ضعف سوق العقارات في الصين، احتمالات تصاعد الرسوم الجمركية بين واشنطن وبكين، وتقلب الأسواق العالمية قد تعيد رسم المشهد الاقتصادي في آسيا خلال السنوات المقبلة». مشيراً إلى أن «البنك يعمل على تعزيز أدواته التحليلية والتمويلية للتعامل مع هذه السيناريوهات».
في ما يتعلق بتنامي دور مؤسسات التمويل الدولية الأخرى، قال بارك: «لا ننظر إلى جهات مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) أو مبادرة (الحزام والطريق) كمنافسين، بل كشركاء، والتنسيق القائم يهدف إلى تجنّب الازدواجية وتمويل مشاريع مشتركة ذات أثر تنموي أوسع».
بارك تابع أيضاً: «النشاط الائتماني للبنك حافظ على زخمه خلال عام 2024، إذ بلغت التزامات القروض تحت الموارد العادية نحو 20.1 مليار دولار، فيما وصلت الصرفيات الفعلية إلى 17.6 مليار دولار». وأضاف: «ارتفاع عمليات السداد إلى 12.89 مليار دولار يعكس تحسّن جودة المحافظ الائتمانية وقدرة الدول المقترضة على خدمة ديونها».
أوضح كبير الاقتصاديين في بنك التنمية الآسيوي أن اضطرابات التجارة العالمية تشكل تحدياً حقيقياً أمام نمو اقتصادات آسيا، إلا أن البنك يعتمد مجموعة أدوات للتخفيف من آثارها، أبرزها: برنامج تمويل التجارة وسلاسل التوريد، الإقراض بالعملات المحلية للحد من مخاطر تقلبات الصرف، بنود تأجيل الديون للدول الصغيرة بعد الصدمات الكبرى، وتعزيز الترابط الإقليمي عبر برامج (CAREC وSASEC وGMS).
وأضاف: «الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والطاقة العابرة للحدود أصبح ضرورة إستراتيجية لضمان مرونة الاقتصادات الآسيوية في مواجهة الصدمات الخارجية».
في رده على مخاوف الركود التضخمي، وصف بارك هذا السيناريو بالضعيف: «سيناريو الركود التضخمي ضعيف، لكننا نراقب عن كثب مؤشرات الأسعار والنمو». مضيفاً: «نجري اختبارات إجهاد دورية، ونوسّع استثماراتنا في الطاقة المتجددة والبنية التحتية لتخفيف الضغوط التضخمية، مع الاستعداد لإطلاق برامج إقراض مضادة للدورات الاقتصادية عند الحاجة».
كذلك أكد ألبرت أن الاقتصادات الآسيوية لم يعد بإمكانها الاعتماد حصرياً على نموذج النمو القائم على التصدير، معتبراً أن البنك يدعم إصلاحات تشمل تعزيز الاستهلاك متمثلاً بالحماية الاجتماعية والشمول المالي، تمويل البنية التحتية الرقمية والطاقة والنقل الحضري، وتحسين جودة التعليم والخدمات الصحية، إلى جانب إصلاحات ضريبية تمكّن الحكومات من تمويل الإنفاق التنموي.
بعد مراجعة إستراتيجية البنك عام 2018، أشار بارك في حديثه لـ«إرم بزنس» إلى خمس أولويات: العمل المناخي، وتطوير القطاع الخاص، والتكامل الإقليمي، والتحول الرقمي، وتعزيز المرونة والتمكين الاقتصادي.
وكشف: «من أبرز مشاريعنا، شبكة الطاقة لـ(آسيان) بقيمة 10 مليارات دولار، دعم سلاسل قيمة المعادن الحيوية، تطوير البنية التحتية الرقمية العامة، وإنشاء مراكز بيانات خضراء وطرق رقمية شاملة».
من جهة أخرى، نبه كبير الاقتصاديين في «التنمية الآسيوي» من أن مستويات الدين في بعض دول القارة لا تزال أعلى مما كانت عليه قبل الجائحة: «رغم التحسن النسبي منذ 2020، لا تزال مستويات الدين في بعض دول آسيا أعلى مما كانت قبل الجائحة، مثل باكستان، سريلانكا، لاوس والمالديف». وأضاف: «نحن نعمل مع صندوق النقد الدولي ونادي باريس لضمان استدامة وشفافية أي عمليات لإعادة هيكلة الديون، إلى جانب توسيع التمويل الميسر ودعم الإصلاحات المالية».
إلى ذلك، شدد بارك على أن دول الخليج أصبحت لاعباً محورياً في تمويل التنمية داخل آسيا: «سجلنا تمويلات مشتركة بقيمة 6.2 مليار دولار في 2024، إلى جانب إسهام الصندوق السعودي للتنمية بـ30 مليون دولار ضمن مشروع ريّ في نيبال و10 ملايين دولار في مشروع طاقة متجددة في جزر سليمان، مع تعاون مستمر مع صندوق (أوبك)».
«ندير نحو 50 صندوقاً استئمانياً يمكن أن تشكل منصة طبيعية لتوسيع التعاون مع الخليج في مجالات الطاقة المتجددة، الهيدروجين الأخضر، إدارة مخاطر الكوارث، البنية التحتية الرقمية، والطرق التجارية والرقمية العابرة للقارات». كما أوضح بارك.
الدكتور ألبرت بارك ختم بالقول: «ممر الاستثمار بين الخليج وأوراسيا ينتقل تدريجياً من الفكرة إلى التنفيذ، وقد نشهد في المرحلة المقبلة تمويلات مشتركة وصناديق مناخية ثنائية».
واختصر بارك المشهد: «آسيا تقف أمام مرحلة انتقالية دقيقة، لكنها تمتلك الأدوات والقدرات والشركاء، وفي مقدمتها دول الخليج. التحديات كبيرة، لكن الفرص أكبر. ما نحتاجه اليوم هو المزيد من التكامل، المزيد من التحول الرقمي، والمزيد من الاستثمار في الطاقة النظيفة والإنسان».