البنوك المصرية تواصل رفع عوائد الشهادات للحفاظ على السيولة
413 مليار جنيه زيادة بأرصدة حسابات التوفير والودائع نهاية مايو

دفع ترقب المدخرين في مصر لمسار أسعار الفائدة واتجاهات السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، شريحة متزايدة من الأفراد إلى توجيه مدخراتهم نحو حسابات التوفير والأوعية قصيرة الأجل، بدلاً من ربطها لمدة 3 سنوات في شهادات ادخار بعوائد ثابتة.
أظهرت بيانات حديثة للبنك المركزي المصري، اطلعت عليها «إرم بزنس»، ارتفاع أرصدة حسابات التوفير والودائع تحت الطلب بنحو 413 مليار جنيه خلال أول 5 أشهر من العام الحالي، مقارنة بنحو 248 مليار جنيه فقط في الفترة نفسها من العام الماضي.
البيانات كشفت أيضاً عن زيادة المدخرات الموجهة إلى شهادات الادخار والودائع المرتبطة بآجال بنحو 178 مليار جنيه فقط خلال الفترة المذكورة، مقابل 671 مليار جنيه في أول 5 أشهر من العام الماضي، وهو الأمر الذي يعكس تباطؤاً واضحاً في وتيرة نموها.
وفق البيانات، ارتفع إجمالي الودائع تحت الطلب بالعملة المحلية في البنوك المصرية إلى 2.7 تريليون جنيه بنهاية مايو الماضي، فيما بلغت الودائع لأجل وشهادات الادخار 7.4 تريليون جنيه.
أثار هذا التحول، والذي يتزامن مع إقبال بعض البنوك الحكومية والخاصة في مصر على رفع أسعار الفائدة على شهادات الادخار أكثر من مرة في آخر 4 أشهر، تساؤلات عديدة حول الأسباب التي تدفع المصريين إلى تفضيل حسابات التوفير على شهادات الادخار، وإلى أي مدى تغيرت شهية المستثمرين حول المنتجات طويلة الأجل.
قال الخبير المصرفي وعضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، محمد عبدالعال، إن ارتفاع الإقبال على حسابات التوفير والأوعية الادخارية قصيرة الأجل لا يعكس بالضرورة تحولاً في شهية المدخرين، بقدر ما يرتبط بوصول القدرة الادخارية للقطاع العائلي إلى مستويات مرتفعة، بعد توظيف جانب كبير من مدخراته خلال الأشهر الماضية في شهادات الادخار طويلة الأجل ذات العوائد المرتفعة.
وأوضح عبد العال لـ«إرم بزنس» أن معظم القطاع العائلي في مصر قام بتوظيف جزء كبير من مدخراته في شهادات الادخار ذات الآجال الثلاثية والعوائد المرتفعة، قبل بدء دورة التيسير النقدي في البلاد العام الماضي مع انخفاض معدلات التضخم.
وأضاف أن الصورة تغيرت نسبياً مع بدء البنوك المصرية خفض أسعار الفائدة على الشهادات، حيث اتجه المدخرون إلى البحث عن أوعية بديلة تتمتع بقدر أكبر من المرونة.
وأشار إلى أن أذون الخزانة وحسابات التوفير كانت من أبرز الأدوات التي جذبت جانباً من المدخرات الجديدة، باعتبارها قصيرة الأجل، كما توجهت بعض السيولة إلى العقارات والذهب وصناديق الاستثمار.
ورأى عبدالعال أن ارتفاع أرصدة حسابات التوفير والودائع تحت الطلب يرتبط أيضاً بكونها أوعية انتقالية تتيح للمدخر إدارة سيولته بسهولة والانتقال إلى أدوات استثمارية أخرى، مثل أذون الخزانة وصناديق الاستثمار، مع الاحتفاظ بقدر كبير من السيولة.
واعتبر أن المدخر المصري أصبح أكثر وعياً وخبرة في التعامل مع أسعار الفائدة، إذ تدفع حالة عدم اليقين بشأن اتجاه السياسة النقدية الفترة المقبلة بعض العملاء إلى تجنب ربط أموالهم في شهادات طويلة الأجل، والاحتفاظ بها في حسابات التوفير أو أوعية قصيرة الأجل، تحسباً لارتفاع أسعار الفائدة مستقبلاً وإمكانية إعادة توظيف المدخرات بعوائد أعلى.
وأشار إلى أن المنافسة بين البنوك واحتياجاتها من السيولة وتمويل محافظها الائتمانية أصبحت عوامل مؤثرة في تسعير الأوعية الادخارية، إلى جانب السياسة النقدية، موضحاً أن طرح شهادات متغيرة العائد يمنح البنوك مرونة أكبر في إدارة تكلفة الأموال حال اتجاه أسعار الفائدة إلى التراجع.
ومنذ بداية العام الحالي، خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة مرة واحدة بنسبة 1% في أول اجتماعات لجنة السياسة النقدية فبراير الماضي، لتستقر عند 19% و20% للإيداع والإقراض منذ ذلك الحين.
اعتبر مدير إدارة البحوث بشركة أسطول القابضة مصطفى شفيع، أن تفضيل المدخرين لحسابات التوفير والأوعية الادخارية قصيرة الأجل يعكس تغيراً في سلوكهم الادخاري نحو الاحتفاظ بدرجة أكبر من السيولة والمرونة في توظيفها.
وأوضح، لـ«إرم بزنس»، أن المدخر الذي يربط أمواله في شهادة لمدة 3 سنوات بعائد ثابت، في ظل مستويات الفائدة الحالية واحتمالات تغيرها، قد يجد نفسه أمام فرصة ضائعة إذا قرر البنك المركزي المصري رفع أسعار الفائدة، أو اتجهت البنوك لطرح شهادات جديدة بعوائد أعلى، بينما تظل أمواله مرتبطة بعائد أقل.
وأضاف أن الودائع قصيرة الأجل وحسابات التوفير تمنح العملاء مرونة أكبر في إدارة مدخراتهم، فضلاً عن سهولة الوصول إلى الأموال عند الحاجة، مع تحقيق عوائد جيدة مقارنة بسنوات سابقة، مشيراً إلى أن تنوع دوريات صرف العائد على حسابات التوفير، سواء يومياً أو شهرياً، عزز جاذبيتها لدى المدخرين.
ورأى شفيع أن حسابات التوفير توفر للعميل إمكانية الإيداع والسحب وفق احتياجاته، مع احتساب العائد وفقاً لشروط الحساب، وهو ما يجعلها أكثر ملاءمة في ظل حالة التقلب وعدم اليقين بشأن اتجاهات أسعار الفائدة.
وأكد أن ارتفاع الوعي المالي لدى المدخرين أصبح عاملاً مهماً في قراراتهم الاستثمارية، إذ باتوا يفضلون الاحتفاظ بأموالهم في أوعية قصيرة الأجل تتيح لهم إعادة توظيفها سريعاً عند تغير أسعار الفائدة، بدلاً من الالتزام بشهادات طويلة الأجل قد تصبح عوائدها أقل من مستويات السوق مستقبلاً.
قال مسؤول تجزئة بأحد البنوك الحكومية الكبرى، إن هناك عوامل ثلاثة رئيسية تقف وراء زيادة إقبال العملاء على حسابات التوفير خلال الأشهر الماضية، في مقدمتها المرونة التي توفرها، إذ تتيح للعميل إيداع أمواله أو سحبها دون التقيد بآجال الشهادات طويلة الأجل.
وأوضح المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن ارتفاع أسعار الفائدة على حسابات التوفير عزز جاذبيتها، في ظل تنافس البنوك على جذب السيولة، مشيراً إلى أن العوائد المقدمة على بعض الحسابات تتراوح حالياً بين 9% و17% وفقاً لشرائح المدخرات، مقابل مستويات تراوحت بين 4% و6% خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن توقف الشهادات ذات العوائد الاستثنائية التي وصلت إلى 27% خلال الفترة الماضية دفع العملاء إلى إعادة تقييم خياراتهم الادخارية، خاصة مع التغيرات المتكررة في أسعار الفائدة، ما عزز تفضيل الأوعية قصيرة الأجل لحين اتضاح اتجاهات السياسة النقدية.
وأشار إلى أن المنافسة بين البنوك على السيولة تدفع القطاع المصرفي إلى التوسع في المنتجات الادخارية المرنة والمتغيرة خلال الأشهر الماضية، موضحاً أن عدداً من البنوك العاملة في البلاد اتجه مؤخراً لطرح شهادات متغيرة العائد، بعوائد تصل إلى 19.5% في بعض المنتجات.