logo
اقتصاد

من العقار إلى الرعاية..شيخوخة أثرياء الخليج تخلق فرصاً استثمارية جديدة

من العقار إلى الرعاية..شيخوخة أثرياء الخليج تخلق فرصاً استثمارية جديدة
سعودي يمر أمام متجر في العاصمة الرياض، أسرع مدن الشرق الأوسط نموا في عدد السكان - 3 فبراير 2025 المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تستعد دول الخليج لموجة استثمارية مختلفة عن الطفرات التقليدية في العقارات والطاقة والسياحة، تقودها هذه المرة زيادة أعداد كبار السن بالتزامن مع تراكم الثروات، واستقطاب المنطقة المزيد من أصحاب الملايين، ما يفتح الباب أمام سوق واسعة تمتد من المجمعات السكنية المخصصة لكبار السن إلى الرعاية المنزلية، وإعادة التأهيل والتكنولوجيا الصحية، وإدارة الثروات.

ولا تزال دول مجلس التعاون تتمتع بتركيبة سكانية شابة نسبياً، لكن هذا الوضع مرشح للتغير سريعاً. ووفق تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان حول الشيخوخة في المنطقة العربية، من المتوقع أن ترتفع حصة كبار السن في دول مجلس التعاون بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة، لتصل إلى نحو 20.7% من السكان بحلول 2050.

ويأتي هذا التحول الديموغرافي في وقت رسخت فيه دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات والسعودية، مكانتها كوجهة عالمية للثروات الخاصة.

وبحسب تقرير «هينلي لهجرة الثروات الخاصة 2026» الصادر عن شركة «هينلي آند بارتنرز»، أصبحت الإمارات، خلال العامين السابقين، لـ2026 الوجهة الأولى عالمياً لهجرة أصحاب الملايين، مستفيدة من بيئتها الضريبية، والإقامات طويلة الأجل، والبنية التحتية، والخدمات المالية المتطورة. ويخلق اجتماع الثروة مع ارتفاع متوسط الأعمار ما يعرف عالمياً بـ«اقتصاد الشيخوخة»، وهو نشاط لا يقتصر على المستشفيات ودور رعاية المسنين، بل يمتد إلى العقارات، والتأمين والتكنولوجيا، وإدارة الأموال والسياحة، والخدمات الشخصية.

أخبار ذات صلة

سيدة مسنّة في أحد شوارع بكين، الصين، 16 فبراير 2023

سوق بـ15 تريليون دولار.. دول تراهن على كبار السن كقوة اقتصادية

السعودية تكشف حجم السوق المقبلة

وتعطي السعودية مؤشراً واضحاً على سرعة التحول المنتظر في المنطقة. فبحسب بيانات واردة في إستراتيجية تحول القطاع الصحي السعودي، من المتوقع أن يرتفع عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 60 و79 عاماً من نحو 1.96 مليون شخص في 2018 إلى 4.63 مليون بحلول منتصف 2030، أي بزيادة تتجاوز 136% خلال 12 عاماً.

وتعني هذه القفزة زيادة الحاجة إلى خدمات لا توفرها المستشفيات التقليدية وحدها، خاصة الرعاية طويلة الأجل، وإعادة التأهيل والرعاية المنزلية.

وتقول شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» في تقرير عن الرعاية الممتدة في دول مجلس التعاون إن زيادة الأعمار وانتشار الأمراض المزمنة يرفعان الحاجة إلى تطوير هذا النوع من الخدمات، محددة 4 مجالات رئيسة تشمل: الرعاية طويلة الأجل، وإعادة التأهيل، والصحة النفسية، والرعاية الصحية المنزلية.

وتشير «برايس ووترهاوس كوبرز» أيضاً إلى وجود فجوة في منشآت الرعاية الممتدة في المنطقة، ما يؤدي في بعض الحالات إلى استخدام أسرّة المستشفيات المخصصة للحالات الحادة لرعاية مرضى يمكن خدمتهم في منشآت متخصصة أقل تكلفة.

وبحسب الشركة، تبرز أبوظبي بوصفها استثناءً نسبياً في المنطقة، مع تطوير أكثر من 15 منشأة خاصة أو شبه خاصة للرعاية اللاحقة للحالات الحادة.

وهذه الفجوة بين الطلب المتوقع والعرض الحالي يمكن أن تتحول إلى واحدة من الفرص الاستثمارية الجديدة أمام القطاع الخاص الخليجي.

عقار جديد لكبار السن

قد يكون القطاع العقاري من أكبر المستفيدين، لكن ليس عبر النموذج التقليدي للشقق والفلل. فالأسواق المتقدمة تمتلك قطاعاً واسعاً يعرف بـ«السكن المخصص لكبار السن»، يجمع بين العقار والخدمات الصحية والترفيهية والاجتماعية، ويمكن أن يجد هذا النموذج نسخة أكثر فخامة في الخليج مع ارتفاع القدرة الشرائية لشريحة من السكان واستمرار تدفق أصحاب الثروات.

وقد تشمل المشاريع الجديدة شققاً وفللاً مصممة لتسهيل الحركة، وأنظمة استجابة للطوارئ، وعيادات داخلية، وخدمات تمريض وعلاج طبيعي، ومطاعم وبرامج رياضية واجتماعية، مع إمكانية الانتقال تدريجياً من السكن المستقل إلى مستويات أعلى من الرعاية.

وبذلك قد يظهر نوع جديد من العقارات تكون فيه قيمة المشروع مرتبطة ليس فقط بالموقع والمساحة والإطلالة، وإنما أيضاً بالقرب من المستشفيات وتوافر الرعاية الطبية وقدرته على توفير حياة مستقلة لكبار السن.

وقد يفتح ذلك مجالاً أمام المطورين للدخول في شراكات مع المستشفيات وشركات التأمين ومشغلي الرعاية الصحية، بدلاً من الاكتفاء ببناء الوحدات وبيعها.

الولايات المتحدة الأكثر حيازة للمعاشات التقاعدية 2025
الولايات المتحدة الأكثر حيازة للمعاشات التقاعدية 2025المصدر: إرم بزنس

الرعاية تنتقل إلى المنزل

لكن الفرصة الأكبر قد تكون خارج المستشفيات تماماً. فكثير من كبار السن، خصوصاً أصحاب الدخول والثروات المرتفعة، قد يفضلون تلقي الرعاية داخل منازلهم بدلاً من الانتقال إلى منشآت متخصصة.

وهذا يعني زيادة الطلب على التمريض المنزلي، والعلاج الطبيعي، والفحوص، والتحاليل المنزلية، وتوصيل الأدوية، والأطباء عند الطلب، ومقدمي الرعاية الشخصية.

ويمكن أن يكون هذا النموذج جذاباً للمستثمرين، لأنه لا يحتاج دائماً إلى الإنفاق الرأسمالي الضخم المطلوب لبناء مستشفى جديد، بينما يسمح للشركات ببناء إيرادات متكررة من الاشتراكات، وحزم الرعاية طويلة الأجل.

التكنولوجيا تراقب الصحة على مدار الساعة

وتفتح الشيخوخة كذلك سوقاً للتكنولوجيا الصحية. فالساعة الذكية وأجهزة الاستشعار المنزلية يمكن أن تتحول من أدوات لقياس النشاط البدني إلى منظومة لمراقبة المؤشرات الصحية واكتشاف السقوط ومتابعة تناول الأدوية وإرسال تنبيه إلى أفراد الأسرة أو مقدمي الرعاية عند حدوث مشكلة.

وتشير الأمم المتحدة، في تناولها للتقاطع بين التحولين الديموغرافي والرقمي، إلى قدرة التقنيات المساعدة والأجهزة الرقمية والروبوتات على دعم استقلال كبار السن ومساعدتهم على البقاء في منازلهم لفترات أطول.

ومن هنا يمكن أن ينمو الطلب الخليجي على المراقبة الطبية عن بعد والأجهزة القابلة للارتداء والذكاء الاصطناعي الصحي وأنظمة الاستجابة للطوارئ، إضافة إلى تحويل المنازل التقليدية إلى «منازل صحية ذكية».

الثروة أيضاً تتقدم في العمر

ولا تتوقف القصة عند الصحة. فمع تقدم أصحاب الثروات في العمر، تصبح كيفية انتقال أموالهم إلى الأبناء والأحفاد سوقاً أخرى قائمة بذاتها. وقد أسهمت الإمارات، خصوصاً في بناء منظومة متنامية لإدارة الثروات، والمكاتب العائلية.

ووفق تقرير «هينلي لهجرة الثروات الخاصة 2025»، كان مركز دبي المالي العالمي يضم 120 مكتباً عائلياً تدير مجتمعة أصولاً تقدر بنحو 1.2 تريليون دولار، إلى جانب 410 شركات لإدارة الثروات والأصول.

وهذا يفتح فرصاً أمام البنوك، ومديري الأصول، وشركات التأمين، والمحامين، والمستشارين المتخصصين في الميراث، والهياكل العائلية، وإدارة انتقال الملكية بين الأجيال.

وبالنسبة إلى الخليج، يصبح الاحتفاظ بأصحاب الملايين الذين استقطبتهم المنطقة مهماً بقدر جذبهم في البداية. فاحتياجات رجل أعمال في سن 45 عاماً قد تتركز على تأسيس الشركات والعقارات والمدارس، لكنها تتحول بعد 20 أو 30 عاماً إلى الصحة، والتقاعد، وإدارة الثروة، والميراث.

أخبار ذات صلة

منظر عام لمدينة دبي الطبية، الإمارات

الخليج وجهة المتقاعدين.. قفزة في الطلب على خدمات كبار السن

 عالمية تتجه إلى التريليونات

ولا توجد حتى الآن قيمة موحدة وموثوقة لسوق «اقتصاد الشيخوخة» في الخليج ككل، نظراً إلى امتدادها عبر قطاعات متعددة، لكن حجم بعض الأسواق العالمية المرتبطة بها يعطي مؤشراً على الإمكانات المتاحة.

وتشير «برايس ووترهاوس كوبرز»، استناداً إلى بيانات «ذا إنسايت بارتنرز»، إلى أن سوق الرعاية اللاحقة للحالات الحادة عالمياً مرشحة للارتفاع من نحو 715.2 مليار دولار في 2022 إلى قرابة 1.9 تريليون دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 12.6%.

وترى «برايس ووترهاوس كوبرز» أن التحولات الديموغرافية والزيادة المتوقعة في الطلب تتيح لدول الخليج فرصة لتطوير قطاع أكبر للرعاية الممتدة، مع مساحة واسعة أمام استثمارات القطاع الخاص.

وفي الوقت نفسه، تستمر المنطقة في استقطاب أصحاب الثروات من الخارج.

ووفق تقرير «هينلي لهجرة الثروات الخاصة 2025»، كان من المتوقع أن تستقبل الإمارات صافي تدفقات يبلغ نحو 9,800 مليونير خلال العام، بثروات قابلة للاستثمار تقدر بنحو 63 مليار دولار، بينما قدرت التدفقات الصافية إلى السعودية بنحو 2,400 مليونير يحملون ثروات قابلة للاستثمار بقيمة 18.4 مليار دولار.

ويجعل ذلك الخليج أمام معادلة غير معتادة: عدد متزايد من السكان سيتقدمون في العمر، بالتزامن مع انتقال المزيد من الثروات والأثرياء إلى المنطقة.

وهذا التقاطع بين الشيخوخة والثروة قد يصنع واحدة من الأسواق الأقل استغلالاً في اقتصادات الخليج.

أخبار ذات صلة

صندوق أبوظبي للتنمية.. تمويلات إماراتية تُوسّع نطاق الرعاية الصحية

صندوق أبوظبي للتنمية.. تمويلات إماراتية تُوسّع نطاق الرعاية الصحية

فالمستفيد لن يكون المستشفى أو شركة التأمين وحدهما، وإنما سلسلة طويلة تبدأ من المطور الذي يبني منزلاً مناسباً للحياة في سن الثمانين، وتمر بشركة التكنولوجيا التي تراقب صحة صاحبه والممرض الذي يزوره في المنزل، وتنتهي بالبنك أو المكتب العائلي الذي يدير انتقال ثروته إلى الجيل التالي.

وبعد عقود أنفق خلالها الخليج مئات المليارات من الدولارات على بناء مدن تستقطب المستثمرين والموظفين والسياح، يبرز سؤال استثماري جديد قد يرسم سوقاً بمليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة: من سيبني الاقتصاد الذي يحتاج إليه هؤلاء عندما يتقدمون في العمر؟.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف