واشنطن تنفذ أسرع استثمار مع سيدني لمواجهة بكين
الولايات المتحدة تسابق الزمن للوصول لحل الأزمة

مع اشتعال حرب المعادن النادرة بين واشنطن وبكين، والتي كانت وراء اشتعال حرب التعريفات الجمركية بين البلدين من جديد مطلع هذا الشهر، هرولت الولايات المتحدة الأميركية إلى البحث في باطن الأرض لدى حلفائها، بيد أن تلك المحاولة يبدو أنها لن تجدي نفعاً، في سوق لا تهيمن عليها الصين فحسب، بل تحكم قبضتها تماماً.
منذ مطلع هذا الأسبوع، ومع تراكم طلبات الشركات الأميركية والعالمية، لدى السلطات الصينية لتوريد المعادن النادر المستخدمة في صناعات الهواتف والسيارات والرقائق والأسلحة والطائرات، سارعت الولايات المتحدة إلى الحليفة إستراليا، في محاولة إلى النفاذ إلى مخزونها من المعادن الأرضية النادرة.
ومع ضآلة حصة سدني من تلك السلعة التي يبدو من اسمها أنها بالفعل نادرة وقد تكون أثمن حتى من المعدن النفيس، شهد الموقف السياسي تحولاً كبيراً في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب وموقفه من الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا بعدما لم يجدِ الضغط على موسكو نفعاً.
في مايو الماضي، وعقب أسابيع من المفاوضات، صادق البرلمان الأوكراني، على الاتفاق التاريخي مع الولايات المتحدة بشأن استغلال الموارد الطبيعية للبلاد أو كما يعرف باتفاق المعادن.
بحسب التقديرات، فإن أوكرانيا تمتلك 5% من المواد الخام الحيوية في العالم، ومنها، 19 مليون طن من الاحتياطيات المؤكدة من الغرافيت، والتي تستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
كما أن أوكرانيا تستحوذ بمفردها على ثلث جميع رواسب الليثيوم الموجودة في أوروبا، وهي المكون الرئيسي في صناعة البطاريات الحالية، وكانت أوكرانيا مسؤولة أيضا عن 7% من إنتاج التيتانيوم في جميع أنحاء العالم، ويستخدم في الصناعات الحديثة وبناء كل شيء تقريبا من الطائرات إلى محطات الطاقة.
كما تحتوي الأراضي الأوكرانية أيضا على رواسب كبيرة من المعادن النادرة، وهي مجموعة من 17 عنصرا تستخدم لإنتاج الأسلحة وتوربينات طواحين الهواء والإلكترونيات وغيرها من المنتجات الحيوية.
تعني نهاية الحرب الدائرة منذ فبراير 2022 بين روسيا وأوكرانيا، تمكين الولايات المتحدة من الوصول إلى المعادن الكامنة في باطن الأراضي الأوكرانية، ما يعني فرصة كبيرة للتخلص من هيمنة الصين على هذا القطاع.
تسيطر الصين حالياً على حوالي 75% من رواسب المعادن النادرة في العالم، وفقاً لمجموعة الاستثمار الجيولوجي، والتي بدأت في استخدام هذه المعادن ضد الولايات المتحدة، وفي ديسمبر حظرت بكين تصدير بعض المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة.
كانت الولايات المتحدة تخلت عن مطالبها بالحصول على 500 مليار دولار من العائدات المحتملة من استغلال الموارد الطبيعية، باعتبارها فاتورة لدعم أوكرانيا في حربها خلال السنوات الثلاث ونصف الماضية.
أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إحراز تقدم كبير خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث اتفقا على إجراء محادثات وجهاً لوجه في المجر.
أضاف ترامب أن المكالمة، الأولى مع بوتين منذ منتصف أغسطس، كانت مثمرة للغاية، مضيفاً أن فرقاً من واشنطن وموسكو ستجتمع الأسبوع المقبل.
في غضون ذلك، حث الرئيس الأميركي نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي على التخلي عن أجزاء من الأراضي لصالح روسيا خلال اجتماع متوتر جرى يوم الجمعة، ما تسبب في حالة من خيبة الأمل داخل الوفد الأوكراني.
في غضون ذلك، حذر ترامب، نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، على قبول شروط روسيا لإنهاء الحرب بين موسكو وكييف، خلال اجتماعه، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدد بتدمير أوكرانيا إذا لم تمتثل.
وطالب ترامب خلال الاجتماع زيلينسكي أن يسلم منطقة دونباس في الشرق بأكملها إلى روسيا، مكرراً نقاط الحديث التي طرحها الرئيس الروسي خلال اتصالهما في اليوم السابق.
وفقاً لتقارير أميركية، عرض الرئيس الروسي بوتين خلال اتصال يوم الخميس الماضي مع ترامب، التنازل عن بعض الأجزاء من منطقتي خيرسون وزابوريجيا الواقعتين على خط المواجهة الجنوبي، مقابل أجزاء من دونباس التي تخضع الآن للسيطرة الأوكرانية.
وفي ظل سعي الولايات المتحدة للحصول على الموارد النادرة في القارة أستراليا، خاصة مع فرض الصين قيوداً أكثر صرامة على تصدير معادنها الحيوية إلى الخارج، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز أمس اتفاقية بشأن المعادن الحيوية.
الاتفاقية عبارة عن صفقة بقيمة 8.5 مليار دولار بين الحليفين، إذ أشار ترمب إلى أنها نُوقشت على مدى عدة أشهر قائلاً: «في غضون عام تقريباً من الآن، سيكون لدينا الكثير من المعادن الحيوية والأتربة النادرة لدرجة أنكم لن تعرفوا ماذا تفعلون بها، ستكون قيمتها دولارين».
في وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت بكين أنها ستُطالب الشركات الأجنبية بالحصول على موافقة من الحكومة الصينية لتصدير المغناطيس الذي يحتوي على آثار ضئيلة من مواد الأتربة النادرة التي نشأت في الصين، أو تم إنتاجها باستخدام التكنولوجيا الصينية.
ترى إدارة ترامب أن هذا يمنح الصين سلطة واسعة على الاقتصاد العالمي من خلال السيطرة على سلسلة توريد التكنولوجيا.
وقبل اجتماع ترمب وألبانيز، قال كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني بالبيت الأبيض، للصحافيين: «ستكون أستراليا مفيدة حقاً، حقاً، في الجهد الرامي لجعل الاقتصاد العالمي أقل خطورة، وأقل عرضة لنوع من ابتزاز الأتربة النادرة الذي نشهده من الصينيين».
قالت غرايسلين باسكاران، مديرة برنامج أمن المعادن الحيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن في بيان: «ستستثمر الولايات المتحدة وأستراليا أكثر من 3 مليارات دولار في مشاريع مشتركة للمعادن الحيوية في غضون ستة أشهر، هذه سرعة غير مسبوقة إلى حد ما في ضخ رأس المال».
كما قال وزير الخزانة سكوت بيسنت الأسبوع الماضي: «الصين هي اقتصاد قيادة وسيطرة، ولن نُؤمر أو نُسيطر نحن وحلفاؤنا، إنهم اقتصاد دولة، ولن نسمح لمجموعة من البيروقراطيين في بكين بمحاولة إدارة سلاسل الإمداد العالمية».
في غضون ذلك كتب بيني ألتهاوس، مؤسس شركة «رار إيرس» سابقاً والرئيس التنفيذي الحالي لشركة «كوف كابيتال» إلى أن أستراليا لا يمكنها تلبية كل ما تحتاجه الولايات المتحدة.
قال الرئيس التنفيذي الحالي لـ«كوف كابيتال» في مجال التعدين: «تذكروا أن الصين تتقدم علينا بفارق زمني يبلغ 40 عاماً تقريباً، لدينا ما لا يقل عن عقدين من الزمن لكي نلحق بالصين فيما يتعلق بقدرتنا على تلبية متطلبات سلسلة التوريد الخاصة بنا».
في غضون ذلك، حذر بنك «غولدمان ساكس» من تصاعد المخاطر التي تهدد سلاسل التوريد العالمية للمعادن الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحيوية.
أشار الاقتصاديون في البنك الأميركي إلى هيمنة الصين على عمليات التعدين والتكرير، وما يمثله ذلك من تحديات أمام الدول الساعية لتطوير سلاسل توريد مستقلة.
أوضحت المذكرة التي أصدرها بنك «غولدمان ساكس» أن الصين وسّعت في 9 أكتوبر قيودها على تصدير المعادن النادرة، مضيفة خمسة عناصر جديدة.
إلى جانب ذلك، شددت بكين الرقابة على المستخدمين في قطاع أشباه الموصلات، وذلك قبيل القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينج، وفقاً لـ«غولدمان ساكس».
بحسب مذكرة «غولدمان ساكس» تسيطر الصين على نحو 69% من إنتاج المعادن النادرة عالمياً، و92% من عمليات التكرير، و98% من تصنيع المغناطيس.
تعد هذه المعادن ضرورية لقطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بدءاً من البطاريات والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وصولاً إلى المعدات الدفاعية.
قدر الاقتصاديون في «غولدمان ساكس» أن أي اضطراب بنسبة 10% في الصناعات المعتمدة على هذه المعادن قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية تصل إلى 150 مليار دولار، فضلًا عن ضغوط تضخمية ناتجة عن نقص الإمدادات.
يأتي ذلك رغم أن سوق المعادن الأرضية النادرة البالغ 6 مليارات دولار لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من حجم سوق النحاس الأكبر بنحو 33 مرة، ما يجعل التحكم فيه سهلاً نسبياً، بحسب البنك.