logo
اقتصاد

الفوسفات وإعادة الإعمار.. قاعدة الشراكة الروسية السورية الجديدة

تمتلك سوريا نحو 1.8 مليار طن من احتياطيات الفوسفات

تكلفة إعادة الإعمار تقدّر بنحو 216 مليار دولار

توقعات بإضافة 2000 ميغاواط جديدة إلى الشبكة السورية 2026

الفوسفات وإعادة الإعمار.. قاعدة الشراكة الروسية السورية الجديدة
صورة جوية تظهر سفناً راسية قبالة ساحل مدينة طرطوس السورية غرب البلاد، 18 ديسمبر 2024.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

شكّلت قمة أكتوبر 2025 بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والسوري أحمد الشرع، محطة فارقة في مسار العلاقات بين البلدين، إذ أسست لمرحلة جديدة قائمة على التعاون الاقتصادي بعد سنوات طويلة اتسمت بالتوتر والاضطراب.

فقد عكست توجهاً واضحاً نحو إعادة بناء نموذج من الشراكة يعتمد على الاستقرار المالي، وتنمية الموارد الطبيعية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وهي مرتكزات باتت تشكّل جوهر الأولويات المشتركة خلال المرحلة المقبلة، كما ركّز الطرفان على ضمان استمرارية الاتفاقيات الاقتصادية السابقة وتوسيعها بما يتناسب مع احتياجات الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد النزاع.

وبرز قطاعان أساسيان في هذا السياق: إحياء صناعة «الفوسفات» بوصفها مورداً مالياً سريع العائد، وإعادة الإعمار باعتبارها المشروع الأكثر تأثيراً على المدى الطويل.

أخبار ذات صلة

ضابط أردني يفحص وثائق المسافرين عند معبر جابر الحدودي مع سوريا، يوم 29 سبتمبر 2021

سوريا تمدد للمستوردين مهلة تسوية أوضاعهم لإدخال السيارات المستعملة

الفوسفات محرك مالي للتعافي

يمثّل «الفوسفات» أحد أهم الموارد التي يمكن أن تسهم سريعاً في تعزيز الإيرادات العامة، إذ تمتلك سوريا نحو 1.8 مليار طن من الاحتياطيات، ما يجعلها من أغنى الدول بهذا المورد في المنطقة. وقد بلغ الإنتاج قبل عام 2011 نحو 2.8–3.6 مليون طن سنوياً، مع اعتماد كبير على التصدير لتوليد العملة الصعبة.

وتواصل الشركات الروسية، وعلى رأسها «ستروي ترانس غاز» (STG)، لعب الدور المحوري في إعادة تشغيل المناجم وتطوير سلاسل النقل والمعالجة. وتشير التقديرات إلى إمكانية رفع الإنتاج إلى 3–4 ملايين طن سنوياً، ما قد يدرّ بين 1 مليار دولار و2 مليار دولار من العائدات، مدعوماً بالطلب المتزايد من الأسواق الأوروبية والآسيوية على خام الفوسفات منخفض الشوائب.

بالنظر إلى الأسعار العالمية الحالية التي تتراوح بين 400 و500 دولاراً للطن، يمكن لهذا القطاع أن يوفر مورداً مالياً مستقراً، يخصَّص نحو 30% منه، بحسب الخطط الحكومية، لتمويل مشاريع البنية التحتية، بما يدعم قطاعي الكهرباء والنقل والصناعات التحويلية. وهو ما يجعل الفوسفات رافعة مالية مباشرة لبرنامج إعادة الإعمار وركيزة أساسية لتعافي الاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة.

منظر عام لحقل الرميلان النفطي في شمال شرقي سوريا، قرب الحدود مع تركيا، في 8 يناير 2025
منظر عام لحقل الرميلان النفطي في شمال شرق سوريا، قرب الحدود مع تركيا، في 8 يناير 2025 المصدر: (أ ف ب)

إعادة الإعمار لإطلاق النمو

تُعدّ إعادة الإعمار المشروع الأوسع تأثيراً على الاقتصاد الوطني، إذ ترتبط به قدرة الدولة على إعادة بناء القطاعات الإنتاجية واستعادة الثقة لدى المستثمرين.

وقد شملت المشاريع التي أعادت موسكو ودمشق تفعيلها برامج متكاملة لتأهيل البنى الأساسية، بدءاً من إعادة بناء محطات توليد الكهرباء وتوسيع شبكة الطاقة، وصولاً إلى تطوير «ميناء طرطوس» وتعزيز شبكات النقل والخدمات اللوجستية.

كما يجري العمل على تأهيل المناطق الصناعية في حمص وحلب، وربط «مطار دمشق الدولي» بمركز المدينة عبر خط سكة حديد يهدف إلى رفع كفاءة النقل التجاري واللوجستي.

وتشمل الخطط أيضاً مشاريع واسعة في مجالات المياه والإسكان والصناعات الغذائية، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بتحسين نوعية الحياة ودعم الاستقرار الاجتماعي. ومن المتوقع أن تستحوذ الشركات الروسية على عقود تتراوح بين 10 و20 مليار دولار في المرحلة الأولى من إعادة الإعمار، إلى جانب تقديم دعم عاجل يشمل توريد القمح والوقود والخبرات الفنية.

تقديرات البنك الدولي

تسلّط التقارير الحديثة للمؤسسات المالية الدولية الضوء على حجم الضغوط الواقعة على الاقتصاد السوري. ففي يوليو 2025، أشار «البنك الدولي» إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% في عام 2024، مع توقعات بنمو متواضع يقارب 1% في 2025 نتيجة القيود التمويلية وضعف القدرة الإنتاجية.

أما تقرير أكتوبر 2025، فقد قدّر تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار كحد أدنى، مع خسائر مباشرة في رأس المال الثابت بلغت 108 مليارات دولار.

وتعكس هذه الأرقام عمق التدهور الذي أصاب البنية الاقتصادية، وتوضح أن التعافي يتطلب مزيجاً من التمويل الخارجي وتنشيط الإيرادات المحلية، خصوصاً من القطاعات القابلة للتصدير مثل الفوسفات والطاقة.

أخبار ذات صلة

صورة لكابلات وأعمدة الكهرباء عند غروب الشمس في مخيم الزعتري للاجئين، الواقع قرب مدينة المفرق شمالي الأردن بالقرب من الحدود مع سوريا، يوم 14 يوليو 2016

سوريا تبحث مع البنك الدولي تعزيز التعاون في مشاريع المياه والكهرباء

تأهيل البنية التحتية

تتوزّع مشاريع الإعمار على مجموعة واسعة من القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة الذي يُعدّ الأساس لعودة الأنشطة الاقتصادية. فمحطات توليد الكهرباء تعمل اليوم بما لا يتجاوز 40% من قدرتها، وهو ما يجعل إعادة تأهيلها ضرورة ملحّة لدعم النشاط الصناعي والخدمي. ويتوقع أن يسهم التعاون الروسي–السوري في إضافة 2000 ميغاواط جديدة إلى الشبكة بحلول 2026، بينما يوفر تشغيل حقول الغاز، وعلى رأسها «حقل الشاعر»، وقوداً مستقراً لتوليد الكهرباء.

في موازاة ذلك، يبرز قطاع النقل والخدمات اللوجستية كركيزة ثانية لإعادة بناء البنية الاقتصادية. فالتوسعة المخطّط لها في «ميناء طرطوس» تُعدّ خطوة حاسمة لزيادة الصادرات وتنشيط حركة التجارة الإقليمية، لا سيما مع ارتفاع الطلب الخارجي على الفوسفات والمواد الأولية. ترافق ذلك مع إعادة العمل في مشروع السكة الحديدية بين «مطار دمشق» والمدينة، إضافة إلى تحسينات في المناطق الساحلية أسهمت في رفع معدلات عودة السكان بنسبة 20%.

أما قطاع الإسكان فيبقى من أكثر القطاعات تضرراً، إذ تُقدّر خسائره بأكثر من 75 مليار دولار نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالمناطق السكنية، ما دفع إلى الاعتماد على تقنيات البناء الجاهز الروسية لتسهيل إنشاء مساكن لـ100 ألف أسرة خلال المرحلة الأولى، ومن المتوقع أن توفر هذه المشاريع نحو 50 ألف فرصة عمل بحلول 2027.

فرص وآفاق ومعوّقات بنيوية

يحمل المشهد الاقتصادي السوري فرصاً واعدة، أبرزها العائدات الثابتة المتوقعة من الفوسفات، واهتمام المستثمرين الخليجيين بقطاع الموانئ والأسمدة، وإمكانية تحسّن وصول الصادرات إلى الأسواق الأوروبية. كما يسمح تنوع الشركاء، بين روسيا والخليج وآسيا، ببناء هيكل تمويلي متوازن.

لكن في المقابل، تواجه البلاد معوّقات بنيوية، أهمها المخاطر الأمنية، وارتفاع كلفة التمويل بسبب العقوبات، والتنافس بين المستثمرين الدوليين على الموارد الاستراتيجية، إضافة إلى فجوة ضخمة بين الاحتياجات الاستثمارية وحجم الاقتصاد الحالي الذي لا يتجاوز 21.4 مليار دولار.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف