
تسعى الجزائر إلى رفع صادراتها خارج المحروقات إلى 30 مليار دولار بحلول 2030، في خطوة تضع تنويع مصادر النقد الأجنبي في صدارة السياسة الاقتصادية، مع توسيع الاستثمار الصناعي وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية، خصوصاً في إفريقيا.
ويأتي المستهدف بعد تجاوز الصادرات غير النفطية مستوى 7 مليارات دولار خلال السنوات الأخيرة، بينما سجلت بداية 2026 مؤشرات على استمرار النمو، إذ ارتفعت الصادرات خارج المحروقات بنسبة 16% خلال الربع الأول مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات التي نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية.
ويعني الفارق بين المستوى الحالي والهدف المعلن أن الجزائر تحتاج خلال السنوات المقبلة إلى تسريع نمو صادراتها، وليس فقط زيادة عدد الشحنات، عبر توسيع الطاقة الإنتاجية وتحويل الصفقات الأولى إلى عقود توريد منتظمة، ورفع حصة المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة الأعلى.
شهد عام 2026 توسعاً في حركة الصادرات الجزائرية من حيث المنتجات والأسواق. ففي أبريل، أطلقت السلطات 35 شحنة من منتجات مصنعة في 13 ولاية إلى 19 دولة، في عملية جماعية هدفت إلى توسيع انتشار المنتجات الجزائرية في الخارج.
وخلال الشهر نفسه، جرى تصدير 20 ألف طن من الأسمنت الأبيض عبر ميناء عنابة إلى غواتيمالا، إلى جانب إطلاق 33 شحنة تجارية من تندوف إلى موريتانيا، وفق بيانات رسمية نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية.
كما بدأت صناعات جديدة دخول الأسواق الخارجية. ففي مايو، صدرت الجزائر أول شحنة من بطاريات السيارات المصنعة محلياً إلى الكاميرون، ضمن شراكة صناعية بين «ستيلانتيس الجزائر» (Stellantis Algeria) و«فابكوم» (FABCOM).
وفي يونيو، وقعت مجموعة «كوندور» (Condor) اتفاقاً لتصدير منتجات إلكترونية وكهرومنزلية مصنعة في الجزائر إلى رواندا وتنزانيا، فيما شهد يوليو إطلاق عمليات لتصدير منتجات كهرومنزلية إلى أسواق أوروبية وعربية.
وتمنح هذه الصادرات مؤشراً على تغير تدريجي في تركيبة التجارة الخارجية، مع دخول منتجات صناعية تتجاوز المواد الخام والسلع محدودة التصنيع، وهو عنصر أساسي إذا أرادت الجزائر رفع الإيرادات غير النفطية إلى مستويات أعلى بصورة مستدامة.
يرتبط الوصول إلى مستهدف 30 مليار دولار بقدرة الجزائر على زيادة الطاقة الإنتاجية وتحويل الاستثمارات الجديدة إلى مصانع ومشاريع عاملة يمكنها تلبية الطلب المحلي وتوجيه الفائض إلى الخارج.
وبحسب «الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار» (AAPI)، بلغ عدد المشاريع المسجلة بين نوفمبر 2022 وديسمبر 2025 نحو 19,054 مشروعاً، بقيمة إجمالية معلنة تصل إلى 8.242 تريليون دينار، أي نحو 61 مليار دولار، مع توقعات بتوفير أكثر من 470 ألف وظيفة.
وتوفر هذه الاستثمارات قاعدة محتملة لتوسيع الإنتاج، وإن لم تكن جميعها موجهة إلى التصدير. وتقوم الاستراتيجية الحكومية على ربط إحلال الواردات بالتوسع الخارجي، بحيث تبدأ المشاريع بإنتاج السلع التي تستوردها السوق المحلية، قبل توجيه فائض الإنتاج إلى أسواق أخرى عند بلوغ طاقات إنتاجية كافية.
وتراهن الجزائر بذلك على زيادة نسبة الإدماج المحلي وخفض فاتورة الاستيراد بالتوازي مع تنمية الصادرات، بما يسمح بتحسين ميزان التجارة خارج قطاع المحروقات من جانبي الواردات والصادرات معاً.
تمثل إفريقيا إحدى أبرز الوجهات المستهدفة، وهو ما يظهر في الصادرات الجديدة إلى موريتانيا والكاميرون ورواندا وتنزانيا، بالتزامن مع تطوير شبكات النقل والخدمات المصرفية والتأمينية المرتبطة بالتجارة.
وتعمل «الشركة الجزائرية للتأمين وضمان الصادرات - كاجكس» (CAGEX) على توسيع خدماتها في القارة عبر شبكة البنوك الجزائرية في الخارج، ولا سيما في موريتانيا والسنغال، لتوفير أدوات تساعد المصدرين على إدارة مخاطر الائتمان والتحصيل.
كما تستفيد الجزائر من موقعها الجغرافي وشبكات الطرق العابرة للصحراء لتعزيز الوصول إلى أسواق غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، بالتوازي مع الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في توسيع قاعدة المشترين وتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية.
وتكتسب السوق الأفريقية أهمية إضافية بالنسبة إلى الصناعات الجزائرية التي تمتلك فائضاً إنتاجياً، إذ توفر دول القارة مجالاً للنمو في قطاعات تشمل مواد البناء والصناعات الغذائية والكهربائية والإلكترونية وقطع غيار السيارات.
يبقى تحويل زيادة الإنتاج إلى صادرات منتظمة مرتبطاً بتطوير الخدمات اللوجستية والمالية، خصوصاً مع ارتفاع كلفة دخول أسواق جديدة وحاجة الشركات إلى تمويل دورة الإنتاج والشحن والتحصيل.
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة التجارة الخارجية على شباك رقمي موحد للمصدرين لتسريع ورقمنة الإجراءات المرتبطة بالتصدير. كما أطلقت في أغسطس منصة إلكترونية لمعالجة انشغالات المتعاملين الاقتصاديين عن بعد، ضمن برنامج أوسع لرقمنة إدارة التجارة الخارجية.
ودخل «بنك الجزائر» بدوره على خط دعم النشاط التصديري، بإصدار تعليمة في 10 أغسطس 2026 تتعلق بتمويل عمليات تصدير السلع والخدمات خارج المحروقات والمنتجات المنجمية، في خطوة توسع الأدوات المصرفية المتاحة أمام المؤسسات الراغبة في دخول الأسواق الخارجية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية لأن تنافسية الصادرات لا تتحدد بتكلفة الإنتاج وحدها، بل تشمل النقل والتخزين والتمويل والتأمين وسرعة الإجراءات الجمركية والإدارية.
يبقى مستهدف 30 مليار دولار بحلول 2030 طموحاً مقارنة بحجم الصادرات غير النفطية المسجل خلال السنوات الماضية، ويحتاج إلى وتيرة نمو مرتفعة خلال الفترة المتبقية من العقد.
لكن مؤشرات 2026 تظهر أن قاعدة التصدير تتوسع على أكثر من مسار، من نمو الصادرات بنسبة 16% في الربع الأول إلى دخول منتجات صناعية جديدة أسواقاً أفريقية ودولية، بالتوازي مع استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات وتطوير أدوات التمويل والتأمين واللوجستيات.
وسيكون الاختبار الرئيسي خلال السنوات المقبلة هو قدرة الجزائر على تحويل هذه الاستثمارات والشحنات الجديدة إلى عقود تصدير مستمرة وإيرادات مستقرة بالعملة الأجنبية. فالوصول إلى 30 مليار دولار لن يتوقف على فتح أسواق جديدة فقط، بل على بناء قاعدة صناعية تستطيع الحفاظ على حضورها فيها وزيادة حصتها تدريجياً.