عشرات الآلاف من الأسر نزحت من مناطق زراعية بسبب شح المياه

كشفت موجات فيضانات التي شهدتها مناطق واسعة من العراق مؤخراً عن مفارقة اقتصادية لافتة: بلد يتعرّض لفائض مائي مدمّر ونقص مائي مزمن في آن واحد.
ولا تُقرأ هذه المفارقة بوصفها حدثاً مناخياً عابراً، بل كإشارة إلى اختلال أعمق في بنية الاقتصاد الكلي، حيث بات توفر المياه عاملاً محدِّداً لمستوى الإنتاج، وكلفة السلع الأساسية، وقدرة القطاعات غير النفطية على العمل في بيئة تتّسم بارتفاع عدم اليقين.
فعلى خلاف الصدمات التقليدية، لا يعمل شح المياه كعامل خارجي مؤقت، بل كقيد هيكلي يضغط على جانب العرض في الاقتصاد، إذ يحدّ تراجع الموارد المائية من الطاقة الإنتاجية للزراعة والصناعات الغذائية، ويرفع تكاليف التشغيل، ويزيد حساسية السوق المحلية لتقلبات الأسعار العالمية، ما ينعكس على التضخم، والميزان التجاري، وسلوك الاستثمار الخاص. ومع تزايد وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، يتكرّس هذا القيد بوصفه أحد المتغيرات الأساسية التي تعيد تشكيل مسار النمو في العراق خلال 2026.
وفي هذا الإطار، تضع وثيقة سياسات صادرة عن «اليونسكو» بشأن ندرة المياه ومخاطر المناخ في العراق هذا التحول ضمن سياقه البنيوي، مشيرة إلى أن الاحتياطيات المائية الوطنية انخفضت إلى أدنى مستوياتها منذ نحو ثمانية عقود، بعد سنوات من الجفاف وتراجع الهطول وانخفاض التدفقات النهرية. ومن منظور اقتصادي، يعني ذلك تقلّص أحد المدخلات الأساسية للنشاط غير النفطي في بلد لا تزال الزراعة والصناعات المرتبطة بها تمثل ركيزة للتشغيل والدخل خارج قطاع النفط، ما يحوّل أزمة المياه من ملف خدمي إلى عامل حاسم في معادلة الاستقرار الاقتصادي.
أولى القنوات التي انتقلت عبرها أزمة المياه كانت الزراعة. فقرارات حظر الزراعة الصيفية والشتوية على أكثر من أربعة ملايين هكتار خلال عام 2025 لم تكن مجرد إجراءات تنظيمية، بل شكّلت صدمة إنتاج فعلية. وبحسب بيانات وتصريحات صادرة عن وزارة الزراعة العراقية، أدّى شح المياه وتراجع الإطلاقات المائية إلى خفض المساحات المزروعة بالمحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، ما دفع الحكومة إلى اللجوء مجدداً إلى الاستيراد لتغطية فجوة متوقعة في موسم 2025–2026.
ويعكس هذا التحول انتقال العراق من مسار تقليص الاعتماد على الخارج إلى إعادة ربط أمنه الغذائي بالأسواق الدولية، مع ما يحمله ذلك من ضغوط على الميزان التجاري وتزايد حساسية المالية العامة لتقلبات أسعار الحبوب عالمياً، في وقت تُستخدم فيه عائدات النفط لتغطية واردات كان يمكن إنتاجها محلياً بكلفة أقل في ظروف مائية مستقرة.
لا يقف تأثير شح المياه عند حدود زيادة الاستيراد، بل يمتد إلى بنية الكلفة داخل القطاع الزراعي نفسه. فمع تراجع المياه السطحية، ازداد الاعتماد على الضخ الجوفي، ما رفع كلفة الري بفعل ارتفاع استهلاك الطاقة، وتسارع نضوب الآبار، وتراجع إنتاجيتها. ولا تبقى هذه الزيادة في الكلفة محصورة عند مستوى المزارع، بل تنتقل تدريجياً عبر سلسلة التوريد إلى أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق، لتتحول أزمة المياه من عامل ضغط على الإنتاج إلى مصدر تضخم غذائي هيكلي يصعب احتواؤه بأدوات قصيرة الأجل.
وفي اقتصاد يعتمد فيه جزء كبير من الطلب المحلي على الدخل الحقيقي للأسر، يؤدي هذا المسار إلى تآكل متواصل في القوة الشرائية، لا سيما لدى الشرائح ذات الدخل المتوسط والمنخفض، ما يدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها خارج السلع الأساسية. ويترتب على ذلك تباطؤ في دوران الطلب داخل السوق المحلية، يضغط على الأنشطة غير النفطية المرتبطة بالاستهلاك، ويحدّ من قدرتها على المساهمة في النمو وخلق فرص العمل، لتتحول أزمة المياه من صدمة سعرية إلى قيد ممتد على التعافي الاقتصادي.

انعكست تداعيات شح المياه بوضوح في سوق العمل، إذ تظهر بيانات «المنظمة الدولية للهجرة» (IOM) أن عشرات الآلاف من الأسر لا تزال نازحة بسبب عوامل مناخية حتى أواخر 2025، مع انتقال الغالبية من مناطق زراعية إلى مراكز حضرية. هذا النزوح لا يُقاس فقط بحجمه العددي، بل بطبيعته الاقتصادية، إذ يأتي في معظمه من مناطق يعتمد دخلها على أنشطة زراعية كثيفة العمالة.
يعني ذلك فقدان وظائف إنتاجية مستقرة في الريف، مقابل توسّع سريع لأنشطة منخفضة الإنتاجية في المدن، غالباً ضمن الاقتصاد غير الرسمي. ومع انتقال العمالة من قطاعات تولّد قيمة مضافة حقيقية إلى أنشطة خدمية هامشية، تتراجع إنتاجية العمل على مستوى الاقتصاد ككل، ويتباطأ تراكم المهارات ورأس المال البشري. ولا يضغط هذا المسار فقط على الخدمات والبنية التحتية الحضرية، بل يُرسّخ تشوّهاً طويل الأجل في هيكل سوق العمل، يحدّ من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام قائم على التوظيف والإنتاجية.
أثّر شح المياه كذلك في قطاع الطاقة، سواء عبر اعتماد محطات التوليد على المياه لأغراض التبريد، أو عبر ارتفاع كلفة الضخ الزراعي، ما دفع الأسر والمزارعين إلى البحث عن حلول بديلة لتأمين الكهرباء والطاقة التشغيلية. ووفق بيانات وتصريحات صادرة عن وزارة الكهرباء العراقية، إلى جانب تقديرات «الوكالة الدولية للطاقة» (IEA) ضمن تقييمها لمرونة الطاقة في العراق لعام 2025، شهدت البلاد توسعاً ملحوظاً في الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية اللامركزية، خصوصاً في المناطق الزراعية والمنازل، كاستجابة مباشرة لاختناقات الكهرباء وارتفاع كلفة التشغيل.
غير أن هذا التحول يعكس في جوهره استثماراً دفاعياً من القطاع الخاص، يهدف إلى تقليل المخاطر التشغيلية وضمان استمرارية النشاط، أكثر مما يعكس سياسة عامة متكاملة لإدارة تقاطع الماء والطاقة. وهو ما يسلّط الضوء على فجوة استثمارية واضحة في البنية التحتية، حيث تُترك كلفة التكيّف المناخي موزعة على الأفراد والمزارعين، بدلاً من إدارتها ضمن إطار اقتصادي شامل يعالج المخاطر على مستوى الاقتصاد ككل.
من زاوية المالية العامة، تتحول أزمة المياه إلى عامل ضغط مركّب. فالدولة تواجه ارتفاعاً في فاتورة استيراد الغذاء، وزيادة في الإنفاق المرتبط بالطوارئ والنزوح، مقابل تراجع الإيرادات غير النفطية المرتبطة بالزراعة والصناعات الغذائية.
ويشير «صندوق النقد الدولي» (IMF) في مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن هذه الضغوط تأتي في وقت يواجه فيه العراق قيوداً مالية وهيكلية قائمة، ما يجعل الصدمات المرتبطة بالموارد الطبيعية عاملاً مضاعفاً لمخاطر الاستقرار الكلي.
ووفق هذا الإطار، فإن التعامل مع المياه كأصل اقتصادي، عبر إدارة متكاملة، تقليل الفاقد، معالجة المياه وإعادة استخدامها، وتحويل الفيضانات من خطر إلى مخزون، لم يعد خياراً بيئياً، بل شرطاً ضرورياً لاستدامة النمو وتقليص المخاطر الكلية في الاقتصاد العراقي.