
وسط ضغوط الأسواق العالمية، وتقلبات أسعار الطاقة، تتجه الأنظار إلى مسار الإصلاحات الاقتصادية في الجزائر بعدما دقَّ صندوق النقد الدولي ناقوس الخطر بشأن تحديات الموازنة والاستدامة المالية، رغم المؤشرات الإيجابية للنمو على المدى القريب.
ورغم المخاطر التي يؤكدها خبراء اقتصاد في الجزائر، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، فإن الإصلاحات قادرة على إحداث توازن في البلد العربي المعتمد على المحروقات، التي تشكل نحو 90% من إجمالي الصادرات، وقرابة 60% من إيرادات الميزانية، مقترحين تعزيز الرقمنة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
وقبل أيام، أفاد تقرير صادر عن بعثة صندوق النقد عقب زيارة للجزائر خلال الفترة من 16 إلى 30 يونيو الماضي، بأنه «لا تزال التوقعات إيجابية في الأجل القريب، حيث تعزز أسعار المحروقات المرتفعة بسبب الحرب على إيران الصادرات وموارد الحكومة، ومن المتوقع أن يظل معدل النمو في 2026 مرتفعاً، كما في 2025 عند 3.8%.
ومن المقدر أن يصل إلى 3.9%، مدعوماً باستثمارات مهمة، ويتوقع أيضاً أن يتسارع معدل التضخم مؤقتاً، بسبب ارتفاع نسبي في أسعار المواد الغذائية».
وهناك «مخاطر» تحيط اقتصاد الجزائر، بحسب التقرير، تتمثل في 4 بنود، أولها تقلب أسعار المحروقات عالمياً، بخلاف الاعتماد على التمويل النقدي (طبع النقود) الذي يقوّض استقرار الأسعار، وانخفاض كبير في الاحتياطيات الدولية، فضلاً عن استمرار عجز الموازنة الذي على الرغم من انخفاضه إلى 10.5% من الناتج الداخلي الخام في 2025 مدعوما بأرباح ووإيرادات إلا أنه لا يزال مرتفعاً للغاية في ظل أن الاحتياجات التمويلية الكبيرة للحكومة دفعت الدَّين العام إلى الوصول إلى 52.1% من الناتج الداخلي الخام.
ومع إقرار الموازنة الجزائرية لعام 2026، في نهاية 2025 توقع مشروعها عجزاً يصل إلى 40 مليار دولار في 2026، أي ما يعادل 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وتعتمد الآفاق المستقبلية لاقتصاد الجزائر بحسب التقرير الدولي على الإصلاحات الرامية إلى تعزيز الاستدامة المالية، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار الخاص، لاسيما عبر حشد المزيد من الإيرادات غير النفطية، وترشيد الإنفاق، وخفض النفقات الضريبية، مع السعي إلى خفض التضخم، وتعزيز الضوابط التنظيمية لأي تمويل نقدي استثنائي للحكومة لحماية استقلالية البنك المركزي.
يرى الخبير الاقتصادي الأكاديمي سليمان ناصر، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تقرير صندوق النقد الدولي، أشار بالفعل إلى تحقيق معدلات نمو إيجابية، وقدم تطمينات للجانب الجزائري في هذا الصدد، لكنه حذّر من تضخم مؤقت تترجمه الأرقام الرسمية، حيث سجلت الجزائر، في فبراير 2026، معدل تضخم بنسبة 2.8%، ليرتفع هذا المعدل بشكل حادٍ بعد شهرين فقط، أي في شهر أبريل، ليصل إلى 4.9%، ولم يعطِ أي بوادر إيجابية بخصوص التضخم وأيضاً احتياطي النقد الأجنبي.
وفيما يخص الاحتياطي الاجنبي، حذّر التقرير، بحسب ناصر، من «نزيف كبير في هذه الاحتياطيات. فبعد أن كانت الاحتياطيات في حدود 68 مليار دولار في نهاية العام 2024، تضاربت الأرقام بشأن مستواها في نهاية العام 2025؛ حيث يشير تقرير البنك الإفريقي إلى وصولها لـ 47 مليار دولار، بينما ذكر موقع متخصص وصولها إلى حوالي 35 مليار دولار، وينتظر تقرير بنك الجزائر بصفته المسؤول والمعتاد صدوره، في سبتمبر المقبل، لحسم الأمور».
وأواخر العام الماضي، ذكر الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أن احتياطي الجزائر من النقد الأجنبي يصل إلى نحو 70 مليار دولار، غير أن بلومبرغ أشارت، في مارس الماضي، إلى أن الاحتياطيات الأجنبية تراجعت إلى 47.1 مليار دولار في أكتوبر.
ولمواجهة المخاطر، يؤكد سليمان ناصر ضرورة وجود «ضبط مالي كبير، وترشيد النفقات الحكومية، وزيادة الاعتماد على الإيرادات خارج المحروقات، وتوسيع الوعاء الضريبي، وتقليص الإعفاءات الضريبية، وتسريع التحول الرقمي لتقليص حجم الاقتصاد الموازي، وإصلاح نظام الدعم والتحويلات الاجتماعية، وإعطاء مرونة أكبر لسعر الصرف في إطار تحرير تدريجي لسوق الصرف وبأسلوب علمي متدرج ومنضبط، بخلاف السعي إلى إصلاحات هيكلية لتحقيق نمو مستدام يقوده القطاع الخاص».
بدوره، أوضح المحاضر في العلوم الاقتصادية بجامعة ابن خلدون والخبير المالي، عبد الرحمن عية، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن قراءة تقرير الصندوق توضح أن هناك مؤشرات أولاً إيجابية لأن قاطرة النمو في الجزائر تعتمد على مبيعات النفط والغاز، وهذه الأسعار كانت جيدة العام الماضي، وهذا العام سجلت أسعاراً قياسية، خاصة في ظل التوترات في مناطق الإمداد والإنتاج، على غرار مضيق هرمز، منذ فبراير الماضي، أو الحرب الأوكرانية الروسية منذ 2022.
وكانت الجزائر حددت السعر المرجعي للنفط في قانون الموازنة لعام 2026 عند 60 دولاراً للبرميل الواحد، بينما تجاوز السعر الفعلي لخام برنت، خلال حرب إيران، مستوى 100 دولار قبل أن يهبط ثم يعاود الصعود مع التوترات الحالية.
وأشار إلى «التوازنات المالية الداخلية، على غرار الخزينة العمومية، حيث هناك عجز، وهذا العجز غير مرغوب فيه، خاصة أنه قد لا توجد آلية لامتصاصه. وبالتالي، فإن صندوق النقد الدولي يدعو إلى اعتماد إصلاحات مالية هيكلية، مفادها أنه لابد ألا نتوسع في الإنفاق العام، لاسيما أن الحكومة تدخلت برفع الأجور لتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، لكن تلك كانت زيادات مكلفة على الخزينة العمومية».
ومن المتوقع أن يرتفع الإنفاق إلى 7.69 تريليون دينار (58.5 مليار دولار) في 2026، بزيادة تقارب 5% مقارنة بالعام 2025، بحسب تقديرات غير رسمية.
وأكد عبد الرحمن عية أن الإصلاحات ضرورية لاحتواء المخاطر، خاصة المخاطر المالية، ولإعادة التوازنات خاصة الداخلية للخزينة العمومية، مشيراً إلى أن هذا يمر عبر إصلاح المؤسسات المالية، خاصة البنوك وإدارة الضرائب، والاهتمام بإلغاء البيروقراطية، وتعزيز الجهود الحكومية لرقمنة المعاملات.