
لم تقتصر تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية على رفع أسعار النفط أو تعطيل جزء من حركة التجارة، بل غيرت الطريقة التي تُقيّم بها الأسواق بعض الأصول الاقتصادية في الخليج. فالميناء الذي كان يُقاس بحجم الحاويات، وخط الأنابيب الذي كان يُقيّم وفق طاقته التشغيلية، والمركز المالي الذي كان ينافس بعدد الشركات، اكتسبت جميعها قيمة إضافية مرتبطة بقدرتها على إبقاء الاقتصاد مفتوحاً عندما تتعرض المسارات التقليدية للاضطراب.
ويشير تحليل نشره «معهد كاتو» (Cato Institute) إلى أن الأسواق امتصت صدمة الطاقة بصورة أسرع من التوقعات، بعدما دفعت الأسعار المرتفعة المنتجين إلى زيادة المعروض، وشجعت الشركات والمستهلكين على تعديل الطلب وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد. لكن التجربة الخليجية أضافت بعداً آخر؛ إذ أثبتت أن البنية التحتية التي بُنيت قبل الأزمة يمكن أن تتحول أثناءها إلى أصل يختصر زمن التعافي ويمنح الاقتصاد خيارات بديلة.
تقدّم الفجيرة المثال الأكثر وضوحاً على هذا التحول. فالموقع المطل على خليج عُمان كان يُنظر إليه تاريخياً باعتباره مركزاً لتخزين النفط وتزويد السفن بالوقود، لكن الحرب رفعت قيمته باعتباره منفذاً مباشراً إلى الأسواق العالمية لا يعتمد على المرور عبر «مضيق هرمز».
ولا تقتصر القيمة الاقتصادية هنا على البراميل المنقولة، بل تشمل خفض مخاطر التأخير، وتقليل انكشاف الشحنات على رسوم الحرب والتأمين، وتوفير مسار بديل عند تعطل الممر البحري التقليدي.
وحملت خطط شركة «موانئ دبي العالمية» (DP World) لبناء ميناء متعدد الأغراض ومحطة حاويات جديدة على الساحل الشرقي، إلى جانب توسعة منشأة قائمة في الفجيرة، دلالة إضافية على تغير الحسابات الاستثمارية. فالمشروع لا يستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية فقط، بل تنويع منافذ التجارة وتعزيز مرونة شبكة الموانئ الإماراتية من خلال إضافة منفذ يعمل خارج «مضيق هرمز».
أعادت الأزمة أيضاً تقييم خطوط الأنابيب العابرة لليابسة. فهذه الشبكات لم تعد مجرد وسيلة أقل كلفة لنقل الخام، بل أصبحت أقرب إلى بوليصة تأمين تحمي الإيرادات والصادرات من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية.
ففي السعودية، يوفر «خط شرق–غرب» منفذاً من حقول المنطقة الشرقية إلى «ميناء ينبع» على البحر الأحمر، ما يسمح بإعادة توجيه كميات من الخام بعيداً عن «هرمز».
وفي الإمارات، يؤدي خط «حبشان–الفجيرة» الوظيفة نفسها عبر الوصول إلى خليج عُمان، إذ تخطط الدولة لمضاعفة طاقتها البرية إلى نحو 3.6 مليون برميل يومياً بحلول عام 2027، في وقت لا تزال فيه كميات تتراوح بين 7 و9 ملايين برميل يومياً من صادرات المنطقة تعتمد على «مضيق هرمز».
امتدت إعادة التسعير إلى المراكز المالية. ففي بيئة ترتفع فيها المخاطر السياسية، تصبح قيمة المركز المالي مرتبطة بقدرته على إبقاء رأس المال قريباً من السوق، وتوفير إطار قانوني وتنظيمي يسمح للشركات بمواصلة العمل رغم التوترات.
وتعكس نتائج «مركز دبي المالي العالمي» خلال الربع الأول من عام 2026 هذا التحول، إذ استقطب المركز 775 شركة جديدة، بزيادة 62% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما سجل شهر مارس وحده انضمام 258 شركة، بارتفاع 59% على أساس سنوي، رغم استمرار حالة عدم اليقين الإقليمي. كما واصل المركز التوسع في استقطاب شركات الخدمات المالية وإدارة الثروات والمؤسسات العائلية، بما يعكس استمرار تدفقات رؤوس الأموال إلى دبي.
وأكد المركز أن هذا النمو يعكس استمرار ثقة المؤسسات العالمية بدبي، مشيراً إلى أن البيئة القانونية والتنظيمية التي يوفرها، إلى جانب استقرار بيئة الأعمال، عززا مكانته بوصفه منصة إقليمية لإدارة الاستثمارات والخدمات المالية. وخلال ذروة التوترات، شدد محافظ «مركز دبي المالي العالمي»، عيسى كاظم، على أن حالة عدم اليقين الإقليمي لم تغير قناعة الشركات بالفرص طويلة الأجل التي توفرها دبي والإمارات، وهو ما عزز أهمية المراكز المالية المستقرة كجزء من البنية التحتية الاقتصادية في أوقات الأزمات.
امتد التحول أيضاً إلى البنية الرقمية، فمراكز البيانات وقدرات الحوسبة أصبحت أصولاً ترتبط بالأمن الاقتصادي والسيادة الرقمية، خصوصاً مع اعتماد المؤسسات الحكومية والمالية واللوجستية على أنظمة الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية.
ويبرز مشروع «ستارغيت الإمارات» (Stargate UAE) في أبوظبي، الذي يتضمن مجموعة حوسبة للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 غيغاواط، مع تشغيل أول 200 ميغاواط، بوصفه مثالاً على انتقال الحوسبة من قطاع تكنولوجي إلى بنية تحتية استراتيجية. ويضم المشروع شركات من بينها «أوبن إيه آي» (OpenAI)، و«أوراكل» (Oracle)، و«إنفيديا» (NVIDIA)، و«سيسكو» (Cisco)، و«سوفت بنك» (SoftBank)، ومجموعة «جي 42» (G42).
وفي عالم تتعرض فيه سلاسل توريد الرقائق والاتصالات والطاقة للصدمات، ترتفع قيمة الدولة القادرة على الجمع بين التمويل والطاقة والأراضي والشراكات التقنية ضمن موقع واحد. لذلك، فإن مراكز البيانات لا تُسعّر فقط وفق إيرادات الاستضافة، بل وفق دورها في ضمان استمرارية الخدمات الحكومية والمالية والتجارية.
أعادت الحرب توسيع معايير تقييم الأصول الاقتصادية، فلم يعد المستثمر ينظر إلى العائد المالي المباشر وحده، بل إلى قدرة الأصل على ضمان استمرارية الأعمال وتقليص المخاطر التشغيلية. ومن هذا المنطلق، أصبحت الموانئ، وخطوط الأنابيب، والمراكز المالية، ومراكز البيانات تمثل منظومة متكاملة تعزز مرونة الاقتصاد الخليجي وترفع جاذبيته الاستثمارية.
وربما لم تغيّر الحرب طبيعة هذه الأصول، لكنها غيّرت الطريقة التي ينظر بها المستثمرون إليها، بعدما أثبتت أن البنية التحتية والاقتصاد الرقمي والخدمات المالية أصبحت عناصر حاسمة في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الخليجية خلال فترات التقلبات.