
في لحظة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع حسابات الأسواق، يتقدّم مقترح فرض تعرفة على عبور السفن في «مضيق هرمز» من هامش النقاش إلى قلب التفاوض، بوصفه أحد أكثر السيناريوهات حساسية في المحادثات في باكستان.
غير أن هذه الفكرة، التي طُرحت كجزء محتمل من تسوية أوسع، تصطدم مباشرةً ببنية قانونية راسخة تحكم التجارة البحرية، ما يجعلها أقرب إلى أداة ضغط سياسية منها إلى نموذج قابل للتطبيق.
وفي هذا السياق، حذّر منتجو الخليج وخبراء القانون البحري، وفق ما نقله موقع AGBI، من أن تحويل المضيق إلى ممر مدفوع الثمن لا يهدد فقط تدفقات الطاقة، بل يضرب مبدأ حرية الملاحة الذي يقوم عليه النظام التجاري العالمي.
يتزامن طرح «رسوم هرمز» مع دخول الحرب أسبوعها السادس، حيث تبحث العواصم والأسواق عن صيغة تُعيد قدراً من الاستقرار إلى أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وقد عكس دونالد ترامب هذا الارتباك في المقاربة الأميركية، حين وصف الفكرة بأنها «شيء رائع»، قبل أن يتراجع محذّراً طهران من أي محاولة لفرض رسوم على العبور.
في المقابل، ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن إيران تعتزم فرض رسم يقارب دولاراً واحداً لكل برميل نفط يمر عبر المضيق. وبين هذين الموقفين، يبقى «هرمز» في وضع غير مستقر: ممر لم يُغلق رسمياً، لكنه لم يعد يعمل وفق قواعده الطبيعية، ودون أي إطار تعرفة واضح يمكن مقارنته بالنماذج الدولية.
تتجاهل محاولة إسقاط نموذج «قناة السويس» و«قناة بنما» على «مضيق هرمز» فارقاً بنيوياً حاسماً. فالقناتان تمثلان ممرات صناعية خاضعة لسيادة دول واضحة، وتُدار وفق أنظمة تسعير مؤسسية مستقرة.
في السويس، تُحدد الرسوم عبر «الحمولة الصافية لقناة السويس» (SCNT) ضمن جداول تفصيلية تعكس نوع السفينة وحمولتها. أما «بنما»، فتعتمد «نظام قياس قناة بنما الشامل» (PC/UMS) الذي يربط الرسوم بالحمولة ونوع الشحنة، مع متوسطات تتراوح بين 5 و6 دولارات للطن القياسي، إضافة إلى رسوم عبور ثابتة.
بخلاف ذلك، لا يُعد «هرمز» منشأة يمكن تسعيرها، بل مضيقاً دولياً تحكمه قواعد قانونية مختلفة جذرياً، ما يجعل أي محاولة لفرض رسوم عليه خروجاً عن الإطار الذي تنظم به التجارة البحرية منذ عقود.
يتسم الموقف الخليجي من هذا الطرح بالوضوح والحسم، إذ ترفض دول المنطقة أي سيناريو يمنح إيران دوراً فعلياً في التحكم بمرور السفن، سواء عبر القيود أو الرسوم.
ضمن هذا الطرح، أكدت أمينة بكر، رئيسة تحليلات الطاقة بالشرق الأوسط وتحالف «أوبك+» لدى شركة «كبلر» (Kpler)، أن المضيق «ممر مفتوح يجب ألا يُفرض عليه أي مقابل»، مشددة على أن مقارنته بالسويس «غير دقيقة من الأساس».
كما شدد الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، على أن المضيق يخضع لـ«اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» (UNCLOS)، التي تضمن حرية العبور، داعياً إلى إبقائه «مفتوحاً بالكامل دون شروط أو قيود».
ويكتسب هذا الموقف ثقله من كونه صادراً عن رئيس «شركة بترول أبوظبي الوطنية» (ADNOC)، في لحظة تتزايد فيها المخاطر التشغيلية على تدفقات الطاقة.
من الناحية القانونية، تبدو فكرة فرض رسوم في «هرمز» إشكالية إلى حد كبير. إذ يحذر خبراء الشحن من أن هذه الخطوة قد تمثل خرقاً مباشراً لمبدأ «المرور العابر» الذي تكفله «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار».
وقال جون ستاوبرت من «الغرفة الدولية للشحن» (International Chamber of Shipping) إن الشحن التجاري «ركيزة أساسية للتجارة العالمية»، مضيفاً أن أي مساس بحرية الملاحة يهدد النظام التجاري بأكمله.
كما أوضح كارلوس دوكي من شركة المحاماة العالمية «سكوير باتون بوغز» (Squire Patton Boggs) أن القنوات مثل «السويس» و«بنما» تخضع لسيادة دولية واضحة تسمح بإدارة تجارية للمرور، بينما تُصنّف المضائق الدولية ضمن إطار قانوني مختلف يمنع عرقلة العبور أو فرض رسوم عليه.
وتنص المادة 38 من «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» على حق جميع السفن والطائرات في «المرور العابر»، فيما تُلزم المادة 44 الدول المشاطئة بعدم تعطيل هذا الحق، وهو ما يجعل أي «تعرفة هرمز» في موقع تصادم مباشر مع القانون الدولي.
اقتصادياً، لا تبدو الفكرة أقل إشكالية. إذ تشير تقديرات إلى أن أي رسوم تُفرض على العبور لن تُوزَّع بشكل متوازن، بل ستنعكس بشكل أساسي على الدول المصدّرة للنفط نفسها.
وفي هذا الإطار، قال غونترام وولف، أستاذ الاقتصاد في «جامعة بروكسل الحرة»، في تصريحات لصحيفة «وول ستريت جورنال»، إن منتجي المنطقة قد يتحملون ما يصل إلى 95% من كلفة هذه الرسوم، ما يحوّلها فعلياً إلى عبء ذاتي على اقتصاداتهم.
لكن الخطر الأعمق يتجاوز الكلفة المباشرة، ليمسّ بنية النظام التجاري نفسه. إذ يحذر محللون من أن إدخال مبدأ «تسعير المضائق» قد يفتح الباب أمام إعادة تعريف قواعد الملاحة العالمية.
وفي تحذير لافت، قال جاكوب كيركيغارد من «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي» (PIIE) إن فرض رسوم في «هرمز» قد يعيد العالم أكثر من 150 عاماً إلى الوراء، عبر تقويض أحد الأعمدة التي قامت عليها التجارة الحديثة.
وأضاف أن هذه الخطوة «لا تمثل مجرد إجراء مالي، بل هجوماً مباشراً على الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي».