logo
اقتصاد

حرب إيران تضغط على قناة السويس.. تعافٍ مهدد بعد خسائر 12 مليار دولار

يمر عبرها نحو 12% من حركة التجارة الدولية

يعبرها سنوياً حوالي 20 ألف سفينة

حرب إيران تضغط على قناة السويس.. تعافٍ مهدد بعد خسائر 12 مليار دولار
لأول مرة منذ عامين.. قناة السويس تشهد عبور سفينة الحاويات العملاقة CMA CGM JACQUES SAADE إحدى أكبر سفن الحاويات في العالم إيذانا ببدء العودة الكاملة لسفن المجموعة الفرنسيةالمصدر: هيئة قناة السويس
تاريخ النشر:

تعود «قناة السويس» مجدداً إلى قلب العاصفة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مع تصاعد التوترات العسكرية في الخليج والبحر الأحمر بسبب حرب إيران، ما يهدد ليس فقط حركة الملاحة وتعافي القناة بعد أزمة كلفت مصر مليارات الدولارات، بل يضع ميزان النقد الأجنبي المصري تحت ضغط مباشر، إذ تشكل إيرادات القناة أحد أهم مصادر العملة الصعبة التي تدعم الاقتصاد الوطني.

وتُعد القناة أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ يمر عبرها نحو 12% من حركة التجارة الدولية، ويعبرها سنوياً ما يقارب 20 ألف سفينة، كما تشكل مساراً رئيسياً لنقل الطاقة من الخليج إلى أوروبا عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط. لكن هذا الموقع الاستراتيجي يجعل القناة شديدة الحساسية لأي اضطرابات أمنية في المنطقة، وهو ما بدأ ينعكس مجدداً على قرارات شركات الشحن العالمية مع تصاعد المخاطر البحرية.

أخبار ذات صلة

سفينة حاويات تبحر على طول قناة السويس بالقرب من مدينة الإسماعيلية المصرية يوم 7 يوليو 2021.

شعبة النقل الدولي: تحويل السفن عن قناة السويس يطيل زمن الشحن 14 يوماً

خسائر ثقيلة منذ 2024

بدأت الضغوط على القناة منذ عام 2024 مع استهداف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب خلال الحرب في غزة، ما دفع العديد من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح جنوب إفريقيا.

وأدى هذا التحول إلى تراجع حركة السفن بنحو 50% في بعض الفترات، بينما سجّلت بعض الأشهر انخفاضاً وصل إلى نحو 85%، ما تسبب بخسارة مصر ما يقارب 800 مليون دولار شهرياً من إيرادات القناة خلال ذروة الأزمة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على موارد النقد الأجنبي للبلاد.

وبحسب بيانات هيئة قناة السويس، بلغت الخسائر التراكمية خلال عامي 2024 و2025 نحو 12 مليار دولار، بعد أن كانت القناة قد سجلت في عام 2023 إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليار دولار.

كما أشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى أن إيرادات القناة تراجعت بنحو 60% خلال عام 2024، مع فقدان ما يقارب 9 مليارات دولار من عوائد القناة خلال عامي الحرب على غزة، مؤكداً أهمية القناة في دعم احتياطات النقد الأجنبي.

بوادر تعافٍ قبل التصعيد الجديد

ورغم تلك الضغوط، بدأت القناة تسجل مؤشرات تعافٍ تدريجية خلال عام 2025، إذ ارتفعت الإيرادات بين يوليو وديسمبر بنسبة 17.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق لتصل إلى 1.97 مليار دولار، ما ساعد جزئياً في دعم النقد الأجنبي المتاح للاقتصاد.

كما نجحت هيئة قناة السويس في جذب 784 سفينة عبر حوافز تخفيض الرسوم، بإجمالي حمولة صافية بلغت 36.6 مليون طن، محققة إيرادات إضافية بنحو 170.4 مليون دولار.

لكن هذا التعافي واجه تحديات جديدة مع تصاعد التوترات في الخليج، وارتفاع المخاطر المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، ما دفع بعض الخطوط الملاحية الكبرى إلى إعادة النظر في مساراتها البحرية.

منظر جوي للتوسع الجديد لقناة السويس الذي تم افتتاحه في عام 2015 في الفردان، شمال الإسماعيلية في شمال شرق مصر، 23 مارس 2024.
منظر جوي للتوسع الجديد لقناة السويس الذي تم افتتاحه في عام 2015 في الفردان، شمال الإسماعيلية في شمال شرق مصر، 23 مارس 2024. المصدر: (أ ف ب)

شركات الشحن تغيّر المسارات

ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، أعلنت شركات شحن عالمية كبرى مثل «ميرسك» الدنماركية و«سي إم إيه سي جي إم» الفرنسية تعليق عبور بعض سفنها عبر قناة السويس والاتجاه إلى طريق رأس الرجاء الصالح، فيما علّقت «هاباغ-لويد» الألمانية عمليات عبور سفنها في مضيق هرمز مؤقتاً.

وقال وليد جاب الله، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء: «التوترات الحالية تضع قناة السويس أمام اختبار صعب. أي تراجع في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على ميزان النقد الأجنبي وأسعار الطاقة والسلع الأساسية، ويضغط على الموارد الدولارية للدولة».

كما تزامن ذلك مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف التأمين البحري بعد إعلان بعض شركات التأمين تعليق تغطية مخاطر الحرب في أجزاء من مياه الخليج، ما دفع شركات الشحن لاتخاذ قرارات احترازية.

ومن جانبه، قال المحلل الاقتصادي اللبناني بيار الخوري: «الأزمة الحالية لا تقتصر على قناة السويس فقط، بل ترتبط باضطراب أكبر في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. أي تصعيد في الخليج يرفع تكاليف النقل والتأمين ويدفع الشركات لاتخاذ قرارات احترازية مؤقتة».

خطر العودة إلى سيناريو الأزمة

أكد أحمد الشامي، مستشار النقل وخبير اقتصادات النقل البحري، أن التطورات الحالية قد تعيد القناة إلى أجواء الأزمة التي شهدتها مع استهداف الملاحة في البحر الأحمر عام 2023. وأضاف: «سفن الحاويات تمثل نحو 50% من إيرادات القناة، بينما تشكل ناقلات النفط والغاز ما بين 12% و14%. شركات الشحن الكبرى عادة ما تحتاج ثلاثة إلى ستة أشهر لإعادة جدولة خطوطها، ما يعني أن السفن التي تحولت إلى طريق رأس الرجاء الصالح لن تعود سريعاً حتى بعد انتهاء التوترات».

وأشار وائل قدور، عضو مجلس إدارة «قناة السويس» السابق، إلى أهمية عدم الاعتماد على رسوم العبور فقط، داعياً إلى تسريع تحويل المنطقة الاقتصادية للقناة إلى مركز صناعي ولوجستي متكامل على غرار سنغافورة وشنتشن.

كما ذكر الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة: «القناة تمتلك قدرة على التعافي رغم التحديات، ويجب استمرار جهود التطوير والخدمات اللوجستية».

أخبار ذات صلة

حاويات شحن تمر عبر قناة السويس، مصر، يوم 15 فبراير 2022.

قناة السويس تؤكد استمرارية الملاحة من الاتجاهين وعبور 56 سفينة اليوم

استراتيجية لتقليل الخسائر

اتجهت مصر إلى عدة إجراءات لتقليل تأثير تراجع الملاحة، أبرزها تخفيض رسوم عبور سفن الحاويات بنسبة 15% للسفن التي تتجاوز حمولتها 130 ألف طن لمدة 90 يوماً. كما توسعت الهيئة في الخدمات البحرية مثل صيانة السفن وتبديل الأطقم ومكافحة التلوث وإزالة المخلفات البحرية.

وأصبحت المنطقة الاقتصادية للقناة أحد أهم البدائل لتعويض جزء من خسائر الملاحة، إذ نجحت في جذب 80 مشروعاً صناعياً ولوجستياً باستثمارات تجاوزت 5.1 مليارات دولار وفرت أكثر من 64 ألف فرصة عمل مباشرة خلال النصف الأول من العام المالي 2025-2026.

توقعات الإيرادات

تشير تقديرات هيئة قناة السويس إلى إمكانية وصول الإيرادات إلى نحو 8 مليارات دولار خلال العام المالي 2025-2026 إذا تحسنت حركة الملاحة تدريجياً، مع توقعات بالعودة إلى مستوى 10 مليارات دولار بحلول عامي 2027 و2028، ما سينعكس إيجابياً على دعم احتياطات النقد الأجنبي.

وختم أحمد الشامي التقرير قائلاً: «التحولات الحالية في مسارات السفن تبقى قرارات احترازية أكثر منها تغيّراً دائماً في خريطة التجارة العالمية، والقناة ستظل قلب الملاحة العالمية طالما استمر الاستقرار الإقليمي».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف