تصعيد الهجوم يهدد صادرات روسيا وأوكرانيا
البنوك والخبراء يحذرون من ضغوط الإمدادات

ارتفعت أسعار القمح في أوروبا والولايات المتحدة بقوة خلال تعاملات اليوم الخميس، مع تجدد المخاوف بشأن قدرة روسيا وأوكرانيا على مواصلة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، بعد تقارير عن اتجاه موسكو لتكثيف هجماتها على أوكرانيا والبنية التحتية الحيوية؛ ما أعاد مخاطر الإمدادات إلى صدارة اهتمام أسواق الحبوب.
ومع ارتفاع القمح إلى أعلى مستوياته في شهر، تتجه الأنظار إلى قدرة روسيا وأوكرانيا على الحفاظ على تدفقات الحبوب خلال موسم التصدير الحالي، إذ تبدو المشكلة في المرحلة الراهنة مرتبطة بدرجة أكبر بقدرة الأسواق على الوصول إلى الإمدادات وتكلفة نقلها، وليس بغياب المحصول العالمي بالكامل، لكن استمرار تعطل البحر الأسود قد يحول أزمة الشحن إلى ضغط أوسع على إنتاج الموسم المقبل.
تأتي القفزة الجديدة في الأسعار بعدما تعرضت موانئ ومنشآت تصدير وسفن تجارية روسية وأوكرانية لهجمات متكررة خلال الأسابيع الماضية؛ ما أدى إلى تعطيل جزء كبير من حركة الحبوب في المنطقة، التي تعد أحد أهم مصادر القمح في الأسواق العالمية.
وتشير بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن روسيا وأوكرانيا تمثلان معاً نحو 27% من صادرات القمح العالمية، بينما أدت الهجمات على الموانئ الأوكرانية إلى إزالة نحو ثلث قدرة البلاد على تصدير الحبوب، في وقت تواجه فيه عمليات التصدير الروسية أيضاً اضطرابات في البحر الأسود وبحر آزوف.
وتفاقمت صعوبات التصدير في أغسطس، إذ تتوقع شركة «سوف إيكون» أن تتراوح صادرات روسيا من القمح خلال الشهر بين 3 ملايين و3.4 مليون طن، مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 5 ملايين طن في أغسطس خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما قد يجعل الشهر الحالي الأضعف منذ موسم 2016-2017.
وتواجه أوكرانيا بدورها اختناقات متزايدة في طرق التصدير البديلة، بعدما أدى تحويل جزء أكبر من الشحنات إلى موانئ الدانوب إلى تراكم السفن، مع وجود نحو 70 سفينة تنتظر قرب قناة سولينا للوصول إلى الموانئ الأوكرانية، بينما تراجعت قدرة القناة إلى نحو سفينتين أو ثلاث يومياً.
يرى محللو «رابوبنك» أن اضطرابات البحر الأسود أصبحت من أبرز العوامل التي يجب مراقبتها في سوق الحبوب، في وقت تتعامل فيه الأسواق مع تأثيرات الحرب على طرق التجارة وتوافر الإمدادات، ويضم فريق أبحاث السلع الزراعية في البنك تشارلز هارت وأندريك باين ضمن المتابعين لأسواق القمح والحبوب.
وتشير بيانات «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن القمح الروسي المصدر انخفض إلى نحو 1.6 مليون طن في يوليو من 2.1 مليون طن قبل عام، بينما تتوقع شركة «سوف إيكون» صادرات روسية تتراوح بين 3 ملايين و3.4 مليون طن في أغسطس، مقابل 4.5 مليون طن في الشهر نفسه من العام الماضي.
وفي الولايات المتحدة، يرى محلل سوق الحبوب لدى «دي تي إن» ريت مونتغمري أن تقديرات تقرير «واسدي» لشحنات روسيا وأوكرانيا تبدو محافظة مقارنة بما قد يحدث إذا استمرت اضطرابات البحر الأسود خلال الأشهر المقبلة، واعتبر سوق القمح في الأسابيع الأخيرة مهيأً لتحرك صعودي قوي إذا ظهر عامل إضافي يدعم الأسعار.
لا تقتصر المخاطر على تعطيل الشحنات الحالية، إذ ترى «ستون إكس» أن استمرار اختناقات التصدير بدأ ينعكس على المنتجين أنفسهم، بعدما أدى ضعف قدرة المزارعين الروس على تصريف المحصول إلى تراجع الأسعار المحلية وارتفاع تكاليف الشحن.
وقال نائب رئيس مبيعات المقاصة والتنفيذ لدى «ستون إكس» برتراند أوسترل إن المشكلة قد تنتقل من أزمة لوجيستية إلى مشكلة إنتاج، إذ إن انخفاض أسعار الحبوب عند المزرعة قد يضغط على قدرة المزارعين على شراء البذور والأسمدة اللازمة للموسم المقبل.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع دخول موسم زراعة القمح الشتوي، إذ إن استمرار ضعف التدفقات النقدية للمزارعين نتيجة صعوبة التصدير قد يؤثر في قرارات الزراعة المقبلة؛ ما يجعل استمرار الاضطرابات لفترة طويلة أكثر تأثيراً من مجرد تأخير مؤقت في وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية.
تعمل الأسواق على تعويض جزء من النقص المحتمل في إمدادات البحر الأسود من خلال الولايات المتحدة وأستراليا والأرجنتين، لكن ارتفاع تكاليف النقل وطول المسافات مقارنة بإمدادات روسيا وأوكرانيا يقللان قدرة البدائل على تعويض الاضطراب بصورة كاملة.
وأظهرت بيانات السوق أن القمح الأسترالي أصبح أكثر تكلفة بالنسبة لبعض المشترين الآسيويين، بينما تواجه الطرق البديلة عبر الدانوب قيوداً في القدرة الاستيعابية؛ ما يرفع تكاليف الشحن ويزيد الوقت اللازم لنقل الحبوب إلى المستوردين.
ويرى كبير الاقتصاديين للسلع لدى «ستون إكس» أرلان سودرمان أن الإمدادات البديلة يمكنها إبقاء الأسواق العالمية مزودة بالحبوب خلال الأشهر المقبلة، لكن تأثير نقص الإمدادات من البحر الأسود قد يصبح أكثر وضوحاً في الربع الأخير من العام أو بداية العام المقبل إذا استمرت الحرب في التصعيد.