
تواجه سوق الإسكان الأميركية أزمة متفاقمة في العمالة، مع اتساع حملات ملاحقة المهاجرين وترحيلهم، ما أدى إلى توقف مشاريع سكنية وارتفاع تكاليف البناء، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى معالجة أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن التي أبعدت ملايين الأميركيين عن امتلاك المنازل.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، اليوم الجمعة، بدأت التداعيات الاقتصادية لتشديد إجراءات الهجرة تظهر بوضوح في قطاع الإنشاءات السكنية، بعدما أدت حملات الاعتقال الفيدرالية خلال الصيف إلى تقلص أعداد العمال المتاحين، خصوصاً في أعمال الأسقف والدهانات والهياكل الخشبية.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة «جون بيرنز للأبحاث والاستشارات» في سبتمبر أن نحو ثلثي شركات البناء أفادت بتأثر قوتها العاملة بإجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، مقارنة مع 23% في مارس الماضي و13% قبل عام.
وكشف استطلاع آخر للجمعية الوطنية لبناة المنازل أن تكاليف العمالة ارتفعت بمتوسط وسيط بلغ 4.2% على أساس سنوي خلال سبتمبر، وسط توقعات باستمرار الضغوط مع اتساع نقص العمال المهرة.
قال سكوت برانوك، رئيس شركة «تايدووتر هومز» وجمعية بناة شمال شرق فلوريدا، إن نشاط البناء في بعض المناطق أصبح شبه متوقف بسبب اختفاء أعداد كبيرة من العمال.
وأوضح أن «شركات بناء وطنية باتت عاجزة عن تحقيق أهدافها، وتتكبد خسائر بمئات الآلاف من الدولارات، بعدما انتهت من صب الأساسات الخرسانية لمنازل جديدة دون العثور على عمال لاستكمال هياكلها».
وفي منطقة جاكسونفيل، ولاية فلوريدا، التي شهدت حملات مكثفة خلال الصيف، قدر بعض مقاولي الباطن أنهم فقدوا نحو 70% من قوتهم العاملة.
وامتدت الأزمة إلى ولايات أخرى، إذ قدر بول شفينغهامر، المؤسس المشارك لشركة «هولمارك هومز» والرئيس السابق لـ «جمعية بناة إنديانا»، أن إجراءات الهجرة تسببت في فقدان ما يصل إلى 25% من العاملين في البناء السكني في الولاية.
وتكشف هذه التطورات مدى اعتماد القطاع على العمالة الوافدة، إذ شكل المهاجرون نحو 26% من إجمالي العاملين في البناء الأميركي خلال 2024، وهي أعلى نسبة مسجلة، وفقاً للجمعية الوطنية لبناة المنازل.
لم يقتصر تأثير نقص العمالة على تأخير المشاريع، بل امتد إلى ارتفاع حاد في أجور بعض المهن. وقال برانوك إن أجور عمال الهياكل الخشبية في جاكسونفيل ارتفعت من نحو 20 دولاراً للساعة.
ونتيجة لذلك، قفزت تكلفة تنفيذ الهياكل الخشبية لمنزل متوسط مساحته 2,500 قدم مربعة من نحو 10,000 دولار سابقاً إلى ما بين 25,000 دولار حالياً.
من جانبه، قال ديفيد هاكر، مالك شركة «كونستركشن سبيشالتيز أوف نورث فلوريدا»، إن عدد فرق العمل المتاحة لبعض المهام انخفض بنسبة 70%، ما دفع الفرق المتبقية إلى مضاعفة أسعار خدماتها في معظم الحالات.
وأضاف أن شركته «بدأت تقديم مكافآت مالية كبيرة لاستقطاب عمال جدد، في محاولة لتعويض النقص الحاد في الأيدي العاملة».
وأشار التقرير إلى أن تأثير الحملات لم يقتصر على المهاجرين المخالفين لقوانين الإقامة، بل شمل أيضاً عمالاً مولودين خارج الولايات المتحدة ويتمتعون بوضع قانوني سليم.
وأفاد مقاولون بأن بعض هؤلاء العمال تعرضوا للاحتجاز أو التوقيف المتكرر، فيما امتنع آخرون عن الذهاب إلى مواقع البناء خوفاً من حملات التفتيش.
وقال مات رايزنغر، أحد مقاولي البناء في أوستن، ولاية تكساس، إن «مجرد انتشار أنباء عن عمليات تفتيش قد يدفع العمال إلى التغيب عن مواقع العمل لمدة أسبوع».
ووجدت دراسة نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية في يونيو أن كل عملية اعتقال واحدة تنفذها سلطات الهجرة الأميركية تدفع، في المتوسط، 7 رجال يُرجح أنهم مهاجرون غير نظاميين إلى التوقف عن العمل.
في المقابل، يرى مؤيدو تشديد إجراءات الهجرة أن ترحيل المهاجرين غير النظاميين قد يساعد على خفض تكاليف الإسكان عبر تقليص الطلب على المنازل، ويطالبون شركات البناء بتوظيف المواطنين الأميركيين.
وقال ماثيو أوبراين، نائب المدير التنفيذي لاتحاد إصلاح الهجرة الأميركية، إن «رغبة شركات البناء في توظيف العمال المخالفين لا تبرر وقف تطبيق قوانين الهجرة».
وأكدت وزارة الأمن الداخلي الأميركية أن عملياتها تستهدف شبكات التوظيف غير القانوني التي تضر بالعمال الأميركيين وتزعزع استقرار سوق العمل.
لكن شركات البناء ترى أن تعويض العمالة المفقودة بمواطنين أميركيين يتطلب وقتاً وتكاليف كبيرة، خصوصاً في المهن التي تعاني أصلاً ضعف الإقبال عليها.
وتسلط الأزمة الضوء على مفارقة تواجه سوق الإسكان الأميركية، إذ تستهدف سياسات الهجرة تقليص المنافسة على المساكن، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى إبطاء بناء وحدات جديدة وزيادة تكاليف إنتاجها.
وبذلك، قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام ضغوط إضافية على أسعار المنازل، في وقت تحتاج فيه السوق إلى تسريع وتيرة البناء لزيادة المعروض وتحسين فرص الأميركيين في التملك.