
تواجه الحكومة المغربية المقبلة ضغوطاً اقتصادية متزايدة، في مقدمتها ارتفاع فاتورة الطاقة والبطالة وضعف القوة الشرائية، في وقت جرت فيه الانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر وسط توقعات بتركيز أكبر على الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
ومن المتوقع ارتفاع فاتورة واردات الطاقة المغربية بنسبة 28.4% إلى نحو 138 مليار درهم في 2026، ما قد يدفع عجز الحساب الجاري إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
يأتي ذلك رغم بقاء التضخم عند مستويات منخفضة، ما يمنح السلطات مجالاً لاحتواء أثر ارتفاع تكاليف الطاقة على الأسعار المحلية، وفقاً لمنصة (MUFG Research)، الذراع البحثي والتحليلي التابعة لمجموعة ميتسوبيشي «يو إف جيه المالية القابضة» (MUFG).
يحد دعم أسعار النقل العام وغاز الطهي والكهرباء من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة العالمية إلى المستهلكين، إلا أن ارتفاع تكلفة الواردات يظل مصدر ضغط على الحسابات الخارجية للمملكة.
يمثل ارتفاع فاتورة الطاقة أحد أبرز التحديات التي ستواجه الاقتصاد المغربي في المرحلة المقبلة، لا سيما مع تعرض المملكة لتقلبات أسعار النفط والغاز عالمياً.
كما قد تسهم زيادة فاتورة الطاقة في اتساع عجز الحساب الجاري إلى 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعل تطورات أسعار الطاقة عاملاً مهماً في تحديد مسار الاقتصاد والسياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وفي المقابل، تتوقع (MUFG) أن ينمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.4% في 2026، بينما بلغ متوسط التضخم 0.3% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، مع توقعات بأن يصل إلى 0.7% خلال العام و1.5% في 2027.
ويعكس ذلك مفارقة اقتصادية تتمثل في نمو النشاط وتراجع التضخم، مقابل ارتفاع الضغوط الناجمة عن تكلفة الطاقة على الحسابات الخارجية.
جرت الانتخابات التشريعية المغربية في 23 سبتمبر، وتنافس خلالها 27 حزباً على 395 مقعداً في مجلس النواب، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات تتعلق بالوظائف والأجور والقوة الشرائية والاستثمار الخاص، وهي ملفات احتلت مساحة بارزة في البرامج الانتخابية، وفق تقرير مجلة «جون أفريك» الفرنسية.
وبلغ معدل البطالة 13% في نهاية 2025، بينما ارتفع إلى 37.2% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، وإلى 19% بين خريجي الجامعات.
ونقلت المجلة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذه الفجوات تعكس اختلالات تتجاوز العوامل الدورية، وترتبط أيضاً بعدم تطابق احتياجات الاقتصاد مع المهارات المتاحة، مشيرة إلى أن المغرب عانى نقصاً بنحو 370 ألف وظيفة سنوياً بين 2020 و2024، وفق البنك الدولي.
لا يزال ارتفاع الأسعار المتراكم يمثل تحدياً للأسر، رغم انخفاض التضخم حالياً، إذ إن مستوى الأسعار في نهاية 2025 كان أعلى بأكثر من 15% مقارنة بمستواه في 2021، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنحو 27% خلال الفترة نفسها.
وتزيد هذه التطورات أهمية ملف الأجور والحماية الاجتماعية بالنسبة إلى الحكومة المقبلة، خصوصاً في ظل احتمال استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة.
واقترح حزب التجمع الوطني للأحرار رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، وخفض البطالة إلى 9% بحلول 2030، وخلق مليون وظيفة، إلى جانب حماية الأسر من ارتفاع أسعار الطاقة.
كما طرح حزب الأصالة والمعاصرة أهدافاً في الأجور والتوظيف، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم وإعفاء بعض الرواتب من ضريبة الدخل، وقدرت تكلفة برنامج الحزب بنحو 350 مليار درهم.
يمثل الاستثمار الخاص تحدياً آخر أمام الحكومة المقبلة، حيث يمثل القطاع الخاص نحو ثلث إجمالي الاستثمار في المغرب، بينما تسعى السلطات إلى رفع حصته إلى 65%.
وكان الملك محمد السادس قد حدد في 2022 هدفاً يتمثل في تعبئة 550 مليار درهم من الاستثمارات وخلق 500 ألف وظيفة خلال الفترة من 2022 إلى 2026.
ويشير تقرير المجلة الفرنسية إلى أن المغرب لا يزال بعيداً عن تحقيق هذا الهدف، رغم ميثاق الاستثمار الجديد وتعبئة صندوق محمد السادس للاستثمار.
وتجدر الإشارة إلى أن بنك المغرب أبقى سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25%، في ظل تضخم منخفض واستقرار نسبي للنشاط غير الزراعي، وفق (MUFG).
ويرتبط مسار السياسة النقدية المقبلة بدرجة أكبر بتطورات أسعار الطاقة والحساب الجاري والتضخم، إضافة إلى قوة احتياطيات النقد الأجنبي.
وتدخل الحكومة المغربية المقبلة المرحلة الجديدة أمام معادلة تجمع بين الحاجة إلى خلق الوظائف وتحسين القوة الشرائية وجذب الاستثمار الخاص، وبين احتواء أثر ارتفاع فاتورة الطاقة والحفاظ على التوازنات المالية والخارجية.