
يترقب الجزائريون باهتمام بالغ إقرار قانون المالية لسنة 2026، الذي يُنتظر أن يشكل محطة حاسمة في معالجة أزمة تراجع القدرة الشرائية التي أنهكت ملايين الأسر.
وفي ظل انخفاض إيرادات المحروقات وتصاعد متطلبات الحياة اليومية، يبرز هذا القانون كوثيقة مفصلية تحمل في طياتها آمال المواطنين في تحسن أوضاعهم المعيشية، والمخاوف من صعوبة التوفيق بين متطلبات المالية العامة وضرورات الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين.
ويؤكد خبراء اقتصاديون تحدثوا إلى «إرم بزنس» أن قانون المالية 2026 يمثل اختباراً حقيقياً لجدية الإصلاحات الاقتصادية في الجزائر ويأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتراجع العائدات البترولية في وقت تشتد فيه الحاجة إلى زيادة الإنفاق الاجتماعي.
وفي الوقت الذي وجه فيه الرئيس عبد المجيد تبون في شهر سبتمبر الماضي، بضرورة ألا يتضمن قانون المالية أية زيادات ضريبية جديدة، تشير وثيقة المشروع إلى توقعات بارتفاع إيرادات الميزانية من 59.3 مليار دولار سنة 2026 إلى 62.3 مليار دولار سنة 2028.
وبحسب مشروع الموازنة، يُتوقع أن تتراجع عائدات الجباية البترولية من 20 مليار دولار سنة 2026 إلى 18.6 مليار دولار سنة 2028. في المقابل، من المتوقع أن تسجل الإيرادات خارج الجباية البترولية معدل نمو سنوي متوسط قدره 1% خلال الفترة 2026-2028.
ويعلق الخبير الاقتصادي فريد بن يحيى، على معضلة الميزانية في حديث مع «إرم بزنس»، بأن الجزائر تواجه تحولاً جيوسياسياً في أسواق الطاقة العالمية، بينما لا تزال السياسات المحلية عاجزة عن تعويض الفجوة المتوقعة في الإيرادات بشكل فوري وفعال. مؤكداً أن هذا التراجع البترولي يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في تمويل البرامج الاجتماعية ومراجعة الأجور.
وفي إطار موازنات اجتماعية طموحة، بلغت كتلة الأجور للسنة المقبلة حوالي 5926 مليار دينار (45.5 مليار دولار) بزيادة 14% على عام 2025، ما يعكس التزام الحكومة بتحسين المستوى المعيشي للمواطنين. وتشكل الأجور أكثر من ثلث الميزانية (33.6%)، مما يؤكد أولوية تحسين الدخل في السياسة الحكومية.
كما خصصت الحكومة 657 مليار دينار لدعم المواد الاستهلاكية الأساسية، و420 مليار دينار لمنحة البطالة التي يستفيد منها أكثر من 2.1 مليون شخص، إلى جانب 424 مليار دينار لتمويل منح التقاعد. هذه التخصيصات تعكس حرص الدولة على حماية الفئات الهشة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ويوضح الخبير الاقتصادي فارس مسدور، في حديث مع «إرم بزنس» أن نجاح القانون مرهون بقدرته على تحقيق التوازن بين التزامات الدولة تجاه المواطن وضرورات ضبط المالية العامة، مشيراً إلى أن التحول نحو زيادة الإيرادات الجبائية يجب أن يراعي الظروف الاجتماعية الصعبة، وأن يستثني الفئات الهشة والطبقة المتوسطة من أي أعباء إضافية.
ويقدر مشروع الموازنة، العجز المالي بـ 38.4 مليار دولار عام 2026، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 38 مليار دولار سنة 2027، ثم يرتفع إلى 40.1 مليار دولار سنة 2028.
ويحذر فريد بن يحيى من أن تراجع العائدات البترولية مع تصلب بنية النفقات الاجتماعية يضعنا أمام سيناريو عجز متصاعد قد يؤدي إلى أزمة مالية حقيقية إذا لم تتم معالجته بشكل جذري، مشيراً إلى أن العجز الحالي يمثل تحدياً كبيراً، لكنه في الوقت نفسه فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد وتبني سياسات أكثر كفاءة.
ويوضح فارس مسدور أن الاقتصاد الجزائري يواجه أزمة مركبة، تجمع بين صدمة العرض الناتجة عن الجفاف وأزمة السيولة الدولية، وصدمة الطلب الناتجة عن تراجع القدرة الشرائية، مضيفاً أن البيانات تشير إلى حاجة ملحة لخطة إنقاذ وطنية تعيد هيكلة الاقتصاد بشكل جذري، تبدأ بإصلاح منظومة الدعم لتحقيق استهداف أفضل للفئات المستحقة، مع تنمية الإنتاج المحلي عبر تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
ويشير مسدور إلى أن اعتماد الجزائر على المحروقات بنسبة 95% في تمويل الميزانية يشكل نقطة ضعف هيكلية في الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التقلبات المستمرة في أسعار النفط والغاز عالمياً.
من جهته، يقدم الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني رؤية إصلاحية شاملة في حديثه مع «إرم بزنس»، مؤكداً أن تعزيز الإنتاج المحلي عبر استصلاح الأراضي الزراعية واعتماد تقنيات الري الحديثة، وتطوير صناعات تحويلية تعتمد على الموارد المحلية، يشكلان حجر الأساس للخروج من الأزمة.
ويضيف سليماني أن تحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات التصنيع الغذائي والطاقات المتجددة، يمكن أن يقلص من فاتورة الاستيراد التي تثقل كاهل الاقتصاد، مشدداً على أن تطوير سلاسل القيمة المحلية يمكن أن يساهم في خفض تكاليف الإنتاج وتحسين الجودة، مما ينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطن.
على الرغم من التحديات، يؤكد الخبراء أن الأزمة الحالية يمكن أن تكون فرصة حقيقية للإصلاح.
ويشير مسدور إلى أن الجزائر تمتلك كل المقومات لتحقيق نقلة نوعية في اقتصادها، بسبب توافر الموارد البشرية والطبيعية الهائلة، معتبراً أن التحدي الحقيقي يتمثل في القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة للإصلاح الهيكلي المنشود.
ويضيف أن تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد الكلي على قطاع المحروقات أصبح ضرورة حتمية لضمان استقرار البلاد على المدى البعيد، مؤكداً أن ذلك يتطلب إدارة أكثر كفاءة ورؤية أكثر وضوحاً، وقدرة على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي طالما أُجلت في السابق.
وبينما يظل قانون المالية 2026 وثيقة مصيرية للاقتصاد الجزائري، تتصاعد التحديات وتبرز الفرص لإعادة هيكلة الاقتصاد والانتقال من نموذج الريع إلى اقتصاد الإنتاج والابتكار. فالقدرة على تحويل الأزمة إلى منصة انطلاق للإصلاح الهيكلي المنشود ستحدد ملامح الجزائر للعقود القادمة، وتضمن حياة كريمة للأجيال الحالية والقادمة في ظل اقتصاد متنوع ومستقر.