
تواجه وعود الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بزيادات في الأجور ومنح البطالة والطلاب في 2026، مخاطر تراجع أسعار المحروقات التي تعتمد عليها ميزانية الجزائر بنسبة 95% عالمياً، في ظل تحديات زيادة محتملة في عجز الموازنة تصل إلى 74 مليار دولار.
غير أن خبراء اقتصاد في الجزائر تحدثوا لـ«إرم بزنس»، يرون أنه بوسع الحكومة الجزائرية الوفاء بالتزامات الإنفاق الاجتماعي باعتبارها التزاماً رئاسياً، دون أن تتأثر مباشرة بالتراجعات العالمية لأسعار المحروقات، وسط تباين بين من يرى أن العجز بموازنة 2026 سيكون حتمياً، ومن يعتقد أن هناك مسارات اقتصادية قادرة على إتمام التزامات الدولة الاجتماعية حتى لو تراجعت الأسعار العالمية للمحروقات وزاد العجز.
وتترقب الأوساط الجزائرية، مسار ما أعلنه الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، في لقاء متلفز سبتمبر الماضي، عن التزامه بالشروع في إدراج زيادات جديدة في الأجور ومنح البطالة والطلاب والمتقاعدين ابتداء من 2026، في بلد عربي يعتمد على قطاع المحروقات، الذي يمثل 95% من عائدات التصدير و60% من إيرادات الدولة.
وهذا الترقب وسط أرقام محتملة يحملها مشروع قانون المالية لعام 2026 بتراجع صادرات الجزائر من المحروقات في 2026 بنسبة 2%، على أن تواصل الهبوط خلال 2027 بنحو 5%، وأن تنخفض 2.7% في عام 2028.
ويتزامن هذا مع توقعات تراجع إيرادات البلاد النفطية إلى 2.698 تريليون دينار جزائري (20.75 مليار دولار) خلال 2026، و2.588 تريليون دينار (19.91 مليار دولار) في عام 2027، و 2.513 تريليون دينار (19.33 مليار دولار) عام 2028.
وحدَّد قانون المالية الجديد سعر برميل النفط في موازنة الجزائر 2026، بنحو 60 دولاراً، مع توقع أن يظل سعر السوق في حدود 70 دولاراً للبرميل.
وبحسب الأرقام الرسمية، بلغت كتلة الأجور للسنة المقبلة حوالي 5926 مليار دينار. أي بزيادة قدرها 83 مليار دينار عن سنة 2025، ما يعادل 14%، وتشكل الأجور أكثر من ثلث الميزانية (33.6%)، بخلاف 420 مليار دينار لمنحة البطالة التي يستفيد منها أكثر من 2.1 مليون شخص، إلى جانب 424 مليار دينار لتمويل منح التقاعد، وخصصت الحكومة نحو 657 مليار دينار لدعم المواد الاستهلاكية الأساسية. على غرار الحبوب، الحليب، السكر، الزيت، القهوة، وتحلية المياه والطاقة.
ويرى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة ورقلة في الجزائر سليمان ناصر في حديث لـ«إرم بزنس» أن مشروع قانون المالية 2026 الذي يعرض على البرلمان، يحمل أرقاماً كبيرة جداً، بمجموع تصل قيمته 136 مليار دولار، مقارنة بـ126 ملياراً في موازنة 2025، وهذه قفزة كبيرة مرتبطة بأمور عديدة منها الوفاء بالتزامات الأجور والمنح الاجتماعية.
وهذا المبلغ الكبير المحتمل بموازنة 2026 يراه ناصر، يقود إلى عجز يصل إلى ما قيمته 74 مليار دولار مقارنة بـ62 ملياراً في 2025، بارتفاع يمثل 54.6% من حجم الموازنة أي أكثر من النصف و27% من الناتج الداخلي الخام، موضحاً أن «هذه الأرقام الكبيرة جداً تطرح تساؤلات عن مصادر تغطية هذا العجز والذي يتزايد من عام لآخر في ظل تراجعات عالمية بأسعار المحروقات».
ونبّه ناصر إلى أن «ميزانية الدعم الاجتماعي أو ما يسمى في الجزائر التحويلات الاجتماعية تسجل 46 مليار دولار بما يمثل 34% من حجم الموازنة بما يمثل أكثر من ثلثها وهذا يعكس حرص السلطات العليا على الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة».
ولا يعتقد أنه «في ظل تراجع أسعار المحروقات في السوق الدولية والتي قد تسجل 60 دولاراً للبرميل أو أقل لاحقاً سوف تخفض الدولة من ميزانية الدعم الاجتماعي باعتبارها وعداً رئاسياً»، مشيراً إلى أن عجز الموازنة المتواصل يثير تساؤلات عن كيفية تغطيتها والاستمرار في الالتزامات المالية في ظل احتمال تراجع أسعار المحروقات عالمياً.
وأوضح أن عجز الموازنة لأسباب بينها الإنفاق المرتفع وتراجع عائدات النفط يُغطى إما بالاستدانة الخارجية أو الداخلية بطبع النقود، والاثنان مرفوضان من الرئيس تبون بسبب التجارب المريرة السابقة التي مرت بها الجزائر في سنوات سابقة. أما البدائل الأخرى كالصكوك المحتملة، فلو تم بيعها جميعاً لن تغطي 3.7% من قيمة العجز، وهذه تساؤلات يجب الإجابة عنها أثناء مناقشة الموازنة بالبرلمان.
ولا يختلف الخبير الاقتصادي الجزائري، بوبكر سلامي، في حديث لـ«إرم بزنس»، في التأكيد على أن ما وعد به الرئيس تبون من زيادة الأجور والمنح يعد «التزاماً سيتم الوفاء به»، موضحاً أن هذا يظهر في ميزانيات الدولة المتتالية.
لكنه يرى أنه «رغم الإنفاق كبير، فالجزائر لديها قدرة على تغطيته نظراً لكونها تملك اقتصاداً مرناً ولديها إمكانيات التوسع والحصول على مداخيل مالية للخزينة العمومية».
ويشير الخبير الاقتصادي الجزائري بوبكر سلامي إلى أن «مشروع قانون المالية في 2026 معد على أساس 60 دولاراً للبرميل وربما نشهد انخفاضات محتملة في أسعار البترول في العالم»، غير أنه ينبه إلى أن الجزائر قادرة على مواجهة ذلك في ظل رهان على استثمارات ضخمة بالبلاد تضم 11 ألف مشروع استثماري مما يزيد من الحراك الاقتصادي وفرص الشغل والضرائب والرسوم بجانب إصلاحات ضريبية محتملة ستوسع قاعدة الوعاء الضريبي.
ويؤكد أن الجزائر لن يتراجع طابعه الاجتماعي وما يقدمه من دعم للسلع والخدمات وبعض الفئات من المواطنين، والخزينة العامة لديها الإمكانيات لتغطية تلك النفقات لكن في المستقبل يحتاج هذا الأمر مزيداً من الإصلاح للتحكم في حجم الإنفاق ليكون أكثر عدالة وهذا ما تتجه له الحكومة عبر الرقمنة والتي قد تظهر نتائجه في 2028، منبهاً إلى أنه مهما انخفضت صادرات المحروقات وأسعارها فإنه يمكن تعويض جزء منها بالمشتقات البترولية وما تديره.
وسجل احتياطي النقد الأجنبي في الجزائر أكثر من 68 مليار دولار، وهو ما يكفي لتغطية أكثر من 15 شهراً من الواردات، وفقاً لتقرير «بنك الجزائر» للتطور الاقتصادي والنقدي لعام 2024 الصادر في منتصف سبتمبر الماضي.