logo
اقتصاد

إصلاحات البنية الصناعية.. بوابة الجزائر لتنويع الاقتصاد

إصلاحات البنية الصناعية.. بوابة الجزائر لتنويع الاقتصاد
العلم الجزائري يرفرف على سواحل الجزائر العاصمة يوم 25 أغسطس 2022.المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

تحركات جزائرية متسارعة نحو إعادة بناء قاعدتها الصناعية في إطار رؤية اقتصادية طموحة تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليص الارتهان لعائدات الطاقة.

ووفق خبراء تحدثوا مع «إرم بزنس» فإن الإصلاحات الصناعية الحكومية لا تنحصر في الجوانب التشغيلية كالتحديث والتوسع، بل تعكس توجهاً استراتيجياً لإعادة بناء نموذج اقتصادي جديد، يرتكز على الإنتاج والتصدير والتكنولوجيا، ويمنح الصناعة دوراً محورياً في تحقيق نمو مستدام أقل ارتباطا بتقلبات قطاع الطاقة.

وعلى مدار السنوات الماضية، اعتمدت الجزائر على المحروقات كمصدر رئيسي للدخل، لكن الانخفاض الدوري في أسعار النفط وارتفاع متطلبات التنمية المحلية دفع الحكومة إلى البحث عن استراتيجيات بديلة.

في هذا السياق، أطلقت الحكومة خطة لتوسيع المناطق الصناعية خارج العاصمة والولايات التقليدية، إذ تم تخصيص نحو 3730 هكتاراً للمستثمرين المحليين والأجانب، مع خطة طموحة لتجهيز 40 ألف هكتار خلال السنوات الخمس المقبلة.

ويشمل التوسع الجغرافي للمناطق الصناعية في الشمال والوسط والجنوب، ويهدف إلى خلق توازن في التنمية وتقليل الضغط على العاصمة والمناطق الحضرية المزدحمة.

أخبار ذات صلة

متسوقون داخل المعرض الوطني للمنتجات النسيجية والملابس في قصر المعارض بالجزائر العاصمة - 11 أبريل 2023

وعود زيادة الأجور في الجزائر.. هل تتأثر بتراجع أسعار المحروقات؟

القطاعات الاقتصادية

وتمنح الحكومة الجزائرية الأولوية في هذه المناطق الصناعية لمشاريع الصناعات الغذائية التي تمثل قطاعاً حيوياً يعزز القيمة المضافة للإنتاج الزراعي المحلي، ويقلل الاعتماد على الواردات، وإلى مشروعات الطاقة المتجددة التي ينظر لها كرافعة جديدة للاقتصاد، مستفيدة من إمكانيات البلاد الكبيرة في الطاقة الشمسية والرياح.

كذلك تولي الحكومة أولوية للتصدير الذي يشكل هدفاً أساسياً ضمن هذه الاستراتيجية، بحيث تتحول المناطق الصناعية إلى منصات إنتاج موجهة نحو الأسواق الخارجية، مدعومة ببنى تحتية حديثة تربطها بالموانئ والطرق الوطنية وتسهل حركة السلع.

تسهيل الاستثمار

وتشكل الإصلاحات القانونية محوراً أساسياً في هذه المرحلة، حسب الخبير الاقتصادي عبد القادر سليماني في حديث مع «إرم بزنس»، مؤكداً جاذبية الاقتصاد الجزائري للاستثمارات الأجنبية، حيث أصدرت الدولة تشريعات جديدة للاستثمار الصناعي تمنح تسهيلات ضريبية وإعفاءات جمركية للمشاريع المنتجة والمصدرة، وتبسط الإجراءات الإدارية أمام المستثمرين الأجانب اعتمادا على فلسفة الشباك الواحد لتسهيل التراخيص.

كما أطلقت برامج تمويلية لدعم إنشاء المناطق الصناعية في مختلف الولايات، وطلبت عروضاً لإعداد الدراسات التقنية والهندسية، ويعتبر سليماني أن هذه الإجراءات تؤكد أن الحكومة لا تسعى فقط لتخصيص الأراضي فحسب، بل لضمان بيئة استثمارية متكاملة تشجع على الإنتاج والتشغيل.

مصفاة غاز البترول المسال في أرزيو بالقرب من مدينة وهران في الغرب الجزائري - 30 يوليو 2007
مصفاة غاز البترول المسال في أرزيو بالقرب من مدينة وهران في الغرب الجزائري - 30 يوليو 2007 المصدر: رويترز

التنمية الصناعية

ومن جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي فارس مسدور، في حديث مع «إرم بزنس»، أن هناك حاجة ماسة لتقليل الاعتماد على قطاع المحروقات في دعم ميزانية الدولة.

ويرى مسدور أن تنويع الاقتصاد لا يتحقق بمجرد تخصيص الأراضي للمستثمرين، بل بخلق مناخ مؤسسي منافس يضمن استدامة النشاط الصناعي جنباً إلى جنب مع تطوير القطاع الفلاحي بالتعاون والمشاركة مع المستثمرين المحليين والأجانب.

ويشير إلى أن هذه الخطوة بدأت تؤتي ثمارها بزيادة عدد المشاريع الاستثمارية الأجنبية من عدة دول مثل الصين وروسيا وتركيا والسعودية.

ويضيف مسدور أن التحدي الأكبر يكمن في تجاوز البيروقراطية وتحسين الشفافية، فضلاً عن تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.

ويؤكد أن تنمية الصناعات غير النفطية تعتبر خطوة ضرورية لبناء اقتصاد مستدام قادر على مقاومة الصدمات الخارجية، وزيادة فرص العمل وتحفيز الابتكار المحلي.

مؤشرات إيجابية

وتشير البيانات الرسمية إلى أن الجزائر تضم أكثر من 38 ألف منشأة صناعية مسجلة حتى عام 2025، وهو رقم يعكس قاعدة إنتاجية قوية لكنها بحاجة إلى تحديث وتطوير.

وتظهر التوقعات أن الناتج المحلي الإجمالي الجزائري مرشح للارتفاع من نحو 269 مليار دولار في عام 2022 إلى حوالي 453 مليار دولار في أفق 2043، إذا استمر تنفيذ برامج التصنيع وتنويع الاقتصاد بوتيرة فعالة.

كما تعكف الحكومة الجزائرية على توفير منشآت مُجهزة بإجمالي مساحة 400 مليون متر مربع خلال 5 سنوات لمنحها للمشروعات الاستثمارية ذات الأولوية، بحسب تصريحات متلفزة للمدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار عمر ركاش.

ووفق تصريحات ركاش فإن عدد المشروعات الاستثمارية في الجزائر بلغ نحو 15508 مشاريع باستثمارات 50.8 مليار دولار، بينما بلغ عدد المشاريع المرتبطة بالأجانب، سواء كاستثمارات أجنبية مباشرة أو بالشراكة المسجلة لدى وكالة ترقية الاستثمار 270 مشروعًا بقيمة إجمالية مصرح بها تقدر بنحو 9 مليارات دولار.

وخصصت الحكومة 88% من ميزانية القطاع لسنة 2026 للاستثمار واستكمال المشاريع الجارية، في إطار برنامج لتطوير النسيج الصناعي وتعزيز تنافسية المؤسسات الوطنية، وفق تصريحات سابقة لوزير الصناعة، يحيى بشير.

أخبار ذات صلة

على اليمين، وزير الإعلام الجزائري حميد قرين، وإلى يسار الصورة خلفه جمال كعوان

أحكام بسجن وزيرين سابقين في الجزائر بتهم فساد في قضية إعلانات حكومية

امتيازات استثمارية

إضافة إلى ذلك، تقدم الحكومة الجزائرية مجموعة واسعة من الامتيازات الاستثمارية مما أوصل عدد المشاريع الاستثمارية إلى ما يقرب من 14 ألف مشروع.

ويوضح الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي في حديثه مع «إرم بزنس» أن التسهيلات تمتد من تسهيل التراخيص، والدعم اللوجستي لتقليل تكاليف النقل والطاقة، إلى توفير وتحسين البنية التحتية في المناطق الصناعية الجديدة.

بالإضافة إلى تطوير المنظومة الفلاحية وزيادة إنتاجيتها لتلبية الطلب المحلي والتصدير، وهذه الامتيازات لا تقتصر على المستثمرين الأجانب، بل تشمل الشركات المحلية بهدف تشجيع ريادة الأعمال وتحفيز الابتكار الصناعي، وهو ما يعكس اهتمام الدولة بخلق اقتصاد متكامل قائم على الإنتاج والمصدّر في الوقت نفسه.

تحديات اقتصادية واجتماعية

ورغم الفرص الواعدة التي تتيحها المساحات الصناعية الواسعة وتزايد الطلب المحلي والإقليمي على المنتجات الجزائرية، فإن الخبير الاقتصادي فارس مسدور يلقي الضوء على أهم التحديات والعراقيل مثل نقص البنى التحتية في بعض الولايات الحدودية والصحراوية، وضعف سلاسل الإمداد الصناعية، وضرورة تأهيل اليد العاملة بما يتناسب مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة.

ورغم هذه التحديثات يرى مسدور، أنه على المستوى الاجتماعي، يفتح هذا التوجه الصناعي آفاقاً جديدة للعمالة الشابة، ويعيد توزيع النشاط الاقتصادي بعيداً عن المدن الكبرى، مما يقلل من حدة البطالة ويعزز التنمية الإقليمية المتوازنة.

ويؤكد أن هذا التوسع يعكس أيضاً قدرة الجزائر على تحويل التحديات الاقتصادية إلى فرص حقيقية للنمو الشامل، مع التركيز على الإنتاج المحلي والتصدير.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف