logo
اقتصاد

بـ450 مليار دولار.. كيف يحول العراق الفرص إلى استثمارات حقيقية؟

الطه: الفرص تنتظر الاستقرار السياسي لتتحول لواقع استثماري

داغر: الأرقام المعلنة بلا بيانات داعمة.. والشفافية اختبار حقيقي

الاستثمار المحلي.. رهينة الإيرادات النفطية والتنويع الاقتصادي

بـ450 مليار دولار.. كيف يحول العراق الفرص إلى استثمارات حقيقية؟
ملتقى العراق للاستثمار، بغداد، يوم 27 سبتمبر 2025.المصدر: وكالة الأنباء العراقية
تاريخ النشر:

وقفت الحكومة العراقية نهاية سبتمبر، على منصة «ملتقى العراق للاستثمار» لتعلن عن حزمة ضخمة من الفرص الاستثمارية تصل قيمتها إلى 450 مليار دولار.

هذا الرقم، وإن بدا طموحاً، يفتح الباب أمام تساؤلات محورية، هل يمثل نقطة تحول حقيقية لاقتصاد طال انتظاره؟ أم أنه مجرد رقم تقديري لمشاريع محتملة تصطدم بتحديات الواقع؟ والأهم، هل الإصلاحات الموعودة كفيلة ببناء جسور الثقة مع رأس المال العالمي؟

يرى فريق من الخبراء تحدثت إليهم «إرم بزنس» أن الرقم لا يعكس تدفقات مالية جاهزة، بل هو قيمة تقديرية لحجم الفرص والمشروعات المطروحة، ما يسهم في اختصار تكاليف البحث أمام المستثمر الأجنبي ويضع أمامه خريطة متكاملة للاقتصاد العراقي، وهو ما يعكس جدية حكومية متزايدة في تسويقه.

لكن في المقابل، يجادل آخرون بأن الأرقام الإجمالية لا تعني شيئاً للمستثمر المحترف ما لم تتحول إلى التزامات واضحة عبر آليات مثل الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) أو عقود (EPC+F). ويتطلب ذلك نشر دفاتر بيانات تفصيلية لكل مشروع تتضمن دراسات الجدوى والإنفاق الرأسمالي المتوقع (CAPEX) وهياكل التمويل والمخاطر التعاقدية، فبدونها يبقى الرقم عنواناً لا يمكن البناء عليه.

أخبار ذات صلة

الأعلام العراقية في حديقة الزوراء ببغداد خلال مهرجان الزهور في 15 أبريل 2009.

صندوق العراق للتنمية يوقع مذكرات تفاهم مع 4 دول لتعزيز الاستثمار

شهادات متباينة

تباينت آراء المراقبين الاقتصاديين إذاء الفرص الاستثمارية المعلنة، بين متفائلين يرون تحولاً نوعياً، ومشككين يرونه اختباراً جديداً لقدرة بغداد على التنفيذ.

وصف عضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد «CISI»، وضاح الطه، لـ«إرم بزنس»، أن طريقة عرض الفرص باتت هذ المرة «مختلفة نسبياً»، حيث تتجاوز العشوائية التي كانت تطبع المحاولات السابقة؛ فدرجة التنظيم وشروط المشاركة والمزايا والحوافز المقدمة تبدو أكثر نضجاً، مما يجعله يعتقد أن الـ160 فرصة المطروحة هي «فرص حقيقية» وليست مجرد إعلانات.

يرى الطه، أن التحول الأهم هو الخروج من الاستثمار الحصري في قطاع النفط والطاقة نحو تنويع اقتصادي أوسع يشمل السياحة والإسكان ومشروع «طريق التنمية»، وهو ما يتقاطع مع التوجه الحكومي العام لتنويع القطاعات الاقتصادية وفتح الباب أمام شرائح مختلفة من المستثمرين.

من جانبه، أوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد، سامي حسين، أن الخطوة تمثل «نقلة نوعية» تهدف لتحويل العراق إلى مركز تجاري يربط جنوبه بشماله ويمد التجارة من آسيا إلى أوروبا.

ويرى أن تعزيز البنية التحتية سيزيد تدفق رؤوس الأموال الأجنبية ويوفر 1.5 مليون فرصة عمل جديدة، إلى جانب تحقيق اكتفاء ذاتي في الغذاء والطاقة بنسبة تصل إلى 70%.

فيما يؤكد المستشار الاقتصادي في غرفة تجارة بغداد، علي هادي جودة، في تصريح سابق، أن الحكومة بدأت بالفعل سلسلة إصلاحات تشريعية وهيكلية تشمل تعديل قوانين الشركات ورقمنة الإجراءات لتقليل البيروقراطية، في محاولة لترسيخ ثقة المستثمرين. غير أن محللين يرون أن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، ما زالت قيد التنفيذ العملي وتحتاج وقتاً لتتحول إلى نتائج ملموسة.

بحسب البيانات الرسمية، تجاوزت الاستثمارات الفعلية المنجزة حتى الآن حاجز 100 مليار دولار، مع توقيع عقود تمويلية مع مؤسسات دولية مثل مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي، وهو ما يعكس جدية الدولة في تطوير بيئة الأعمال.

ويستند المتفائلون أيضاً إلى قصص نجاح قائمة، مثل صفقات الطاقة الكبرى مع «توتال إنرجيز» (TotalEnergies) و «بي بي» (BP)، كدليل على أن المشاريع الضخمة ممكنة في العراق.

د. محمود داغر: المدير العام في البنك المركزي العراقي سابقاً
د. محمود داغر: المدير العام في البنك المركزي العراقي سابقاً المصدر: إرم بزنس

على الجانب الآخر، يشير العديد من المحللين إلى أن التحديات الأمنية والسياسية والبيروقراطية قد تعرقل تحويل الفرص إلى مشاريع فعلية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن العزاوي، أن الاعتماد الكبير على النفط والفساد الإداري يضعان العراق في موقف هش أمام المستثمرين الأجانب. 

محمود داغر، المدير العام السابق في البنك المركزي العراقي، أكد لـ«إرم بزنس»، وجود «نشاط لاستقطاب استثمارات أجنبية» مدعوم بتسهيلات حكومية، مشيراً إلى أن العديد من المشروعات قد تم توقيعها بالفعل لتمويلها برأسمال أجنبي.

أضاف أن تحقيق هذه الخطوة على أرض الواقع هو الأهم، قائلًا: «ننتظر التنفيذ وتدفق الأموال ليتحسن أداء ميزان المدفوعات، بدلاً من اعتماده الكلي على الميزان التجاري».

واتفق مع العزاوي، أنه على الرغم من الإيجابية المبدئية، لفت «داغر» الانتباه إلى نقطة جوهرية وهي غياب الشفافية في البيانات. وأوضح قائلًا: «لا توجد بيانات تفصيلية تؤكد الرقم الذي ذكره رئيس الوزراء، ولا يوجد ما يدعم ذلك في سجلات ميزان المدفوعات».

وبيّن أن معظم الاتفاقيات الموقعة حتى الآن، بحسب الهيئة الوطنية للاستثمار، لا تزال في مرحلة «مذكرات تفاهم»، وتتركز غالبيتها في قطاعي النفط والطاقة.

واعتبر داغر  أن هذا الإعلان مجرد «تمهيدا لما قبل الانتخابات»، خصوصاً مع عدم وجود بيانات تؤكد عدم وصول أي من هذه المبالغ أو ما يمثلها من معدات أو أجهزة إلى البلاد.

طريق التنمية.. الرهان الأكبر

في قلب الخطة الاستثمارية يقع مشروع «طريق التنمية» بتكلفة 17 مليار دولار، الذي يُنظر إليه كرافعة أساسية للاقتصاد العراقي. أنصاره يرونه مشروعاً ذا «عوائد واضحة»، مع توقعات بتحقيق إيرادات سنوية تقارب 4 مليارات دولار، ويربط تجارة آسيا بأوروبا، وهيكل تمويلي عبر عقود (BOT/DBFOM) تجعله جذاباً للممولين الدوليين. كما وعدت الحكومة بعقد مؤتمر خاص لطرح تفاصيله، مما يعكس أولويته الوطنية.

أخبار ذات صلة

غروب الشمس خلف برج نقل كهربائي عالي الجهد في مدينة كركوك في العراق، يوم 20 سبتمبر 2023.

العراق يستكشف فرص استغلال الطاقة النووية السلمية في قطاع الكهرباء

لكن داغر يحذر من أن المشروع قد يصطدم بـ«فجوات الحوكمة»؛ فنجاحه يعتمد على شفافية ترسية العقود وآليات فض المنازعات وضمانات الدفع السيادية مثل حسابات الضمان (Escrow) وحقوق التدخل للممولين (Step-in Rights). وبدون هذه البنية القانونية والمالية، قد يتحول المشروع من رهان رابح إلى عبء ثقيل على الدولة.

أين تتجه البوصلة الاستثمارية أولاً؟

إذا قرر رأس المال العالمي منح العراق فرصة، فستتجه الأنظار إلى القطاعات الأسرع قابلية للتحول إلى صفقات خلال العامين القادمين، بحسب داغر، الطاقة وخاصة الغاز المصاحب، نظراً لوجود نماذج تعاقدية ناجحة وأثر مالي مباشر على الميزانية، ومشاريع الموانئ والمناطق اللوجستية ضمن «طريق التنمية» التي يمكن طرحها كحزم استثمارية مستقلة. بجانب الإسكان ومواد البناء المدفوع بطلب محلي مرتفع.

من هنا تتشكل السيناريوهات المستقبلية، إما سيناريو متفائل بتحويل 10–15% من الفرص إلى التزامات فعلية، أو سيناريو متوسط يتقدم فيه قطاع الطاقة بوتيرة أسرع، أو سيناريو متباطئ يتعثر بسبب إحجام المستثمرين عن المخاطر.

حدد المدير العام السابق في البنك المركزي العراقي، مسارين لمستقبل الاستثمار في العراق، وهما الاستثمار المحلي والأجنبي.

فيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر، يرى داغر، أن نجاحه مرهون بشكل أساسي بـ «استمرار الاستقرار السياسي في العراق، وعدم إقحام البلاد في مشاكل الإقليم»، معرباً عن تفاؤله بأنه في حال تحقق هذان الشرطان، «سيتم تنفيذ هذه الاستثمارات الموعود بها خلال العام القادم».

بينما يجد عضو المجلس الاستشاري الوطني لمعهد «CISI»، أن «فرصة نجاح الاستثمارات الأجنبية عالية جداً» ولكنها تبقى مشروطة للحصول على ضمانات كافية والأهم حسن اختيار الشريك المحلي، مشيراً إلى أن العقبة المتبقية تكمن في غياب «آلية النافذة الواحدة» التي تجمع الجهات المانحة للتراخيص.

ويعتقد أن هذه الفرص الواعدة قد تتأخر إلى العام المقبل مع ترقب نتائج الانتخابات، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات المحللين بشأن البيروقراطية وتأثيرها على التنفيذ.

الفرص الذهبية.. قوة السوق المحلية

يشير الطه إلى وجود «فرص ذهبية حقيقية لم تُستغل بعد»، مصدرها الأول «السوق المحلية الضخمة» التي تضم أكثر من 42 مليون مستهلك يشكلون قوة شرائية قادرة على امتصاص إنتاج أي مشاريع صناعية جديدة. أما المصدر الثاني فهو «قطاع السياحة»، إذ يمتلك العراق «ثروة آثارية كبيرة جداً لم تكتشف بعد» يمكن أن تتحول إلى وجهات جذب قادرة على خلق قطاع اقتصادي موازٍ. 

أخبار ذات صلة

 وزير النفط العراقي، حيان عبد الغني.

تصاعد استثمار الغاز في العراق.. وخطط نحو الاكتفاء الذاتي

حتى في قطاع الطاقة، يوضح طه أن النظرة تغيرت من التركيز على النفط الخام إلى الاستثمار في الغاز الطبيعي كخيار استراتيجي لتقليل الاعتماد على الواردات الإيرانية، التي تكلف الخزينة ثلاثة أضعاف السعر العالمي. ومن ثمّ، يمثل الاستثمار في الغاز خطوة حتمية للتخلص من هذه التبعية واستعادة التوازن المالي.

يصف داغر، الاستثمار المحلي، بأنه لا يزال يعتمد بشكل شبه كلي على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة الاستثمارية. وانتقد حقيقة أن الموازنة التشغيلية «تستحوذ على أكثر من 80% من تخصيصات الإيرادات النفطية»، الأمر الذي يجعل قدرة الدولة على الاستثمار الداخلي «محدودة للغاية».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف