
بينما تبعث الاستثمارات الخليجية وتحويلات المغتربين وتخفيف العقوبات الغربية بارقة أمل في إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد السوري، فإن غياب خطة وطنية واضحة للتعافي يزيد التحديات الاقتصادية التي تواجهها الحكومة الجديدة التي مر على تشكيلها نحو 9 أشهر.
وبين يوليو وأغسطس 2025، استضافت دمشق منتديين اقتصاديين ضخمين جذبا رجال أعمال وشركات من السعودية وقطر والإمارات، وأسفرا عن تعهدات استثمارية بلغت نحو 20 مليار دولار، ركزت على مشروعات كبرى في قطاعات الطاقة والنقل والعقارات.
تزامن ذلك مع خطوة غربية لافتة، إذ أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي رفع عقوبات قطاعية عن سوريا، شملت البنك المركزي السوري، وإعادة دمج البلاد في نظام التحويلات المالية الدولية (SWIFT)، في إشارة إلى رغبة دولية في فتح صفحة جديدة مع دمشق تقوم على التعاون الاقتصادي والانفتاح السياسي.
ورغم الظروف القاسية التي عانت منها البلاد، أظهرت الإحصاءات منذ ديسمبر 2024 عودة ما بين 500 إلى 780 ألف لاجئ سوري إلى البلاد، إضافة إلى 1.6 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم الأصلية.
ومع أن هذه الأرقام تبدو محدودة، فإنها تحمل دلالة واضحة وهي أن السوريين يريدون العودة وبناء حياتهم من جديد، وفق تقرير للمؤسسة الإيطالية للدراسات السياسية والدولية، نشر على موقعها الإلكتروني في 3 أكتوبر.
وبحسب تقرير لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية صدر في 2 أكتوبر الجاري، فإن التحويلات المالية من المغتربين السوريين تجاوزت في بعض الأعوام نسباً قياسية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، ما جعلها رافعة اقتصادية غير مباشرة ساعدت على تقليص معدلات الفقر، والحد من تبعات الانهيار الاقتصادي، من خلال توفير بدائل اقتصادية مستدامة.
وقد استمرت تحويلات المغتربين السوريين في التدفق إلى البلاد رغم الحرب والعقوبات، لتصل إلى نحو مليار دولار سنوياً، أغلبها من المغتربين في أوروبا.
ولا تقتصر هذه الأموال على تلبية الاحتياجات الأساسية فحسب، بل تساعد أيضاً على دعم المشاريع الصغيرة، وتقليص اعتماد السكان على اقتصاد الحرب أو الأنشطة غير المشروعة، ما يجعلها عنصراً أساسياً في تعزيز الأمن الإنساني والمجتمعي.
ويؤكد تقرير مجلس الشرق الأوسط أن المغتربين السوريين أصبحوا اليوم فاعلين في مسار التعافي وإعادة الإعمار، مستفيدين من خبراتهم المتقدمة في قطاعات الصحة والتعليم والتكنولوجيا في أوروبا.
وفي ألمانيا وحدها، يعمل أكثر من 6 آلاف طبيب من أصول سورية، يقدمون استشارات افتراضية وتدريبات للأطباء داخل سوريا، ويسهمون في تزويد المستشفيات بالمستلزمات الحيوية.
وتشير الأرقام إلى أن عدد المغتربين السوريين يقترب من 6.8 مليون مغترب، بينما انخفض عدد السكان داخل سوريا من 21 مليوناً قبل الحرب إلى حوالي 16.7 مليون نسمة حالياً، في مؤشر صارخ على عمق المأساة الإنسانية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.
في هذا السياق، يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبدالقادر عزوز أن الاقتصاد السوري ما زال يواجه تحديات عميقة خلفتها سنوات الحرب والعقوبات الغربية، رغم الجهود الحكومية لتنشيط القطاعات الإنتاجية واستقطاب الاستثمارات العربية والدولية، موضحاً أن الفرص الاقتصادية في سوريا لا تزال كبيرة، لكنها بحاجة إلى بيئة أكثر مرونة وانفتاحاً لجذب المستثمرين.
وقال عزوز، في حديثه مع «إرم بزنس»، إن الحرب ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية والمدن السورية، مما أدى إلى انهيار الخدمات العامة وتعطل المؤسسات في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وتدهور مستوى المعيشة للسكان.
وأضاف أن معدلات الفقر والبطالة المرتفعة وضعف الأجور تعكس عمق الأزمة الاقتصادية، في حين يعاني قطاع الكهرباء أزمة حادة تحد من التعافي الكامل للقطاعات الإنتاجية.
أستاذ الاقتصاد أشار إلى أن العقوبات الغربية، خاصة قانون قيصر، تمثل أبرز العقبات أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية، إذ تمنع سوريا من الاندماج في النظام المصرفي العالمي، رغم بعض التخفيفات الجزئية، داعياً إلى معالجة الثغرات التشريعية في قوانين الاستثمار وتسهيل الإجراءات المالية لتوفير بيئة جاذبة لرؤوس الأموال.
ورغم أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أصدرت إعفاءات مؤقتة من العقوبات المعروفة باسم «قانون قيصر»، فإنه لا يمكن إلغاؤها بشكل دائم إلا من خلال تشريع قانوني.
ويُعد هذا القانون أكثر العقوبات صرامة، إذ يمنع أي دولة من التعامل مع الحكومة السورية السابقة، ويقيد أي نشاط قد يُسهم في دعم أفراد هذه الحكومة مالياً أو لوجستياً.
وأوضح عزوز أن المنتدى الاستثماري «السعودي – السوري» الأخير شكّل خطوة إيجابية نحو فتح قنوات التعاون الاقتصادي، فقد أبدت السعودية اهتماماً بدراسة فرص الاستثمار في سوريا، لكن استمرار العقوبات يظل العائق الأبرز أمام تنفيذ المشاريع، مشيراً إلى أن مشاركة القطاع الخاص السوري والعربي في جهود إعادة الإعمار لا تزال محدودة.
وفيما يتعلق بتحويلات المغتربين، أوضح أنها تسهم في دعم الأسر وتحسين القدرة على تلبية الاحتياجات المعيشية، لكنها تبقى حلاً مؤقتاً في ظل غياب فرص إنتاجية حقيقية.
وكشف أستاذ الاقتصاد أن عودة سوريا إلى مجموعة البنك الدولي بدعم «سعودي – قطري» تفتح الباب أمام برامج تمويل وتنمية جديدة، مشدداً على أن الاستثمار في البنية التحتية والإصلاح التشريعي والمؤسسي هو السبيل لضمان انطلاقة اقتصادية حقيقية خلال المرحلة المقبلة.
من جانبه، قال المحلل الاقتصادي الأردني، أمجد نصر، إن الاقتصاد السوري يتجه نحو تعافٍ بطيء ومحدود خلال عام 2025، بعد سنوات من التراجع والانكماش، مشيراً إلى أن البنك الدولي يتوقع نمواً يقارب 1% بعد انكماش بنسبة 1.5% في عام 2024.
وفي حديثه مع «إرم بزنس» أوضح نصر أن هذا التحسن الطفيف يظل هشًا في ظل استمرار ضعف البنية التحتية وتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات التضخم.
وأضاف أن سعر صرف الليرة السورية لا يزال متقلباً بشكل كبير في السوق الموازية، الأمر الذي يضغط على الأسعار ويضعف القدرة الشرائية للأسر، بينما تبقى معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة تصل إلى نحو 13%، في ظل صعوبات مزمنة في التمويل وقطاع الطاقة.
وخسر الاقتصاد السوري نحو 800 مليار دولار خلال 14 عاماً منذ اندلاع النزاع في 2011، وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الانمائي، كما تعاني البلاد تضخماً جامعاً تجاوز 300% خلال العام الماضي.
وبحسب البيانات، فإن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وواحد من كل أربعة عاطل عن العمل، في حين انخفض الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من نصف مستواه خلال 14 عاماً.
ومنذ عام 2011، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في سوريا بنسبة 70%، ليصل إلى 30 مليار دولار حالياً، من 62 مليار دولار في عام 2010، وفق تصريحات سابقة للأمين العام المساعد في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حسن الدردري.
كما انخفضت الليرة السورية من 47 ليرة للدولار عام 2011 إلى حوالي 14,500 ليرة للدولار حالياً، في سلسلة انهيارات متتالية أطاحت بالقدرة الشرائية للمواطنين وحولت الغالبية العظمى من السوريين إلى دائرة الفقر المدقع.
وأشار المحلل الاقتصادي إلى أن بعض الخطوات الغربية لتخفيف العقوبات خلال عام 2025 فتحت نافذة محدودة أمام التعاون الدولي والمساعدات الإنسانية، لكنها لا تمثل رفعاً شاملاً للعقوبات، إذ لا تزال مشروطة بالتقدم في مجالات الشفافية والإصلاح السياسي.
وفي مارس 2025، أعلنت المفوضية الأوروبية خلال مؤتمر «الوقوف مع سوريا» في بروكسل تخصيص 2.5 مليار يورو لدعم اللاجئين السوريين وجهود التعافي المبكر، إلا أن الخبراء يرون أن المطلوب اليوم هو تحول استراتيجي من مجرد الإغاثة إلى الشراكة الاقتصادية.
وأكد نصر أن التحويلات المالية من المغتربين تمثل شريان الحياة للاقتصاد السوري ومصدر السيولة الرئيس للأسر، إذ تدعم الاستهلاك وتوفر استقراراً نسبياً في الطلب المحلي.
ودعا إلى تعزيز القنوات الرسمية للتحويلات عبر البنوك المرخصة للحد من نشاط السوق السوداء، وتشجيع توجيه جزء من هذه الأموال نحو استثمارات إنتاجية ومشروعات صغيرة.
وبالنسبة لجذب الاستثمارات، شدد نصر على ضرورة تحديث القوانين الاستثمارية وتقديم حوافز ضريبية، إضافة إلى إطلاق شراكات مع دول خليجية وتركيا في مشاريع البنية التحتية والطاقة والإسكان، مع إنشاء صندوق ضمان ائتماني لتقليل المخاطر على المستثمرين.
وأكد نصر أن استقرار سعر الصرف، وخفض التضخم، وزيادة التحويلات الرسمية، وبدء مشاريع استثمارية ملموسة، تشكل الأسس الحقيقية لتعافي الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة.