القوة الحقيقية للاقتصاد السوري في رأس ماله البشري

تواجه الحكومة الانتقالية في سوريا تحدّياً غير مسبوق يتمثل في إعادة بناء اقتصاد انكمش بما يقارب 85% منذ اندلاع الحرب عام 2011. وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية إلى أن تكاليف إعادة الإعمار قد تراوح بين 250 و400 مليار دولار، وهو رقم يجعل أي تعافٍ اقتصادي مستحيلاً من دون تمويل خارجي واسع النطاق.
ولسد هذه الفجوة، تتجه دمشق نحو تعبئة واسعة لرؤوس الأموال الخارجية، سواء عبر الاستثمارات الخاصة أو من خلال مؤسسات التمويل الدولية وبنوك التنمية متعددة الأطراف، التي تجمع بين القدرة على تقديم التمويل والخبرة الفنية.
وفقاً لتقرير نشره «المجلس الأطلسي»، يرى محللون أن دور هذه المؤسسات يمكن أن يكون حاسماً إذا ترافق مع قدر من الاستقرار السياسي وإعادة الاندماج الإقليمي، إذ يشكّل وجودها قوة مضاعفة تشجع المستثمرين على العودة وتدعم بناء القدرات المؤسسية.
حالياً، تحتفظ سوريا بعضوية خمس مؤسسات مالية دولية وإقليمية، هي: «البنك الدولي» (World Bank)، و«صندوق النقد الدولي» (IMF)، و«صندوق النقد العربي» (AMF)، و«الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي» (AFESD)، و«البنك الإسلامي للتنمية» (IsDB). كما أبدى «بنك الاستثمار الأوروبي» (EIB) استعداده لاستئناف نشاطه في البلاد تماشياً مع توجهات الاتحاد الأوروبي.
غير أن خبراء اقتصاديين في دمشق يرون أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام توسع أكبر، إذ تملك سوريا الأهلية للانضمام إلى «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» (EBRD)، و«البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية» (AIIB)، و«بنك التنمية الجديد» (NDB).
وتُعد عضوية البنكين الأوروبي والآسيوي أولوية، بالنظر إلى تركيزهما على البنية التحتية والتكامل الإقليمي وتنمية القطاع الخاص، بينما يبقى الارتباط بـ«بنك التنمية الجديد» محدوداً لكونه مرتبطاً بتوسّع تكتل «البريكس» (BRICS) الذي لا تنتمي إليه سوريا حالياً.
رغم الانهيار الكبير الذي شهده الاقتصاد، ما زالت سوريا تحتفظ بمقومات تمنحها قاعدة للنمو إذا ما اقترنت بإصلاحات فعّالة؛ فهي لا تعاني «لعنة الموارد» التي كبّلت اقتصادات نفطية مجاورة، ما يمنحها فرصة لتطوير قاعدة إنتاجية في الزراعة والصناعة.
ويعزز موقعها الاستراتيجي هذه الفرصة، إذ تشكّل جسراً يربط المتوسط بالعراق والأردن وتركيا، وتبرز أهمية ممرات الشرق–الغرب الممتدة من الساحل عبر حلب والرقة والحسكة ودير الزور حتى الحدود العراقية. وبحسب التقرير، يعد تطوير هذه الممرات، بما يشمله من موانئ وبنية لوجستية ومشاريع للطاقة، ضرورياً لإعادة الاندماج السياسي داخلياً، كما يتيح لسوريا أن تكون جزءاً من مشاريع إقليمية كبرى مثل طريق التنمية العراقي والروابط التركية مع القوقاز وآسيا الوسطى.
كما تكمن القوة الحقيقية للاقتصاد السوري في رأس ماله البشري، من عمالة متعلمة وقطاعات نسيجية وزراعية ذات إمكانات، إضافة إلى جالية سورية واسعة وناجحة حول العالم.
هذه المقومات، إذا ما دُعمت بالاستثمار في التعليم والتدريب وإصلاح المؤسسات، قادرة على إعادة بناء القاعدة الإنتاجية وتعزيز قدرة البلاد على جذب استثمارات نوعية.
تظل حالة عدم اليقين السياسي وضعف المؤسسات عائقاً أمام عودة الاستثمارات الخاصة. هنا يبرز دور بنوك التنمية التي لا تقتصر مساهمتها على التمويل الكبير، بل تمتلك أيضاً وزناً سياسياً يطمئن المستثمرين ويخفض المخاطر غير المرئية.
تاريخياً، أدى انخراط هذه المؤسسات في مشاريع الدول الخارجة من النزاعات إلى جذب تمويلات مشتركة، إلى جانب برامج مساعدة فنية في مجالات التعليم والتدريب وبناء القدرات الرقابية، خصوصاً في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي الحالة السورية، يُعد هذا الدعم أساسياً لاستقرار النظام المالي، إذ تواجه المصارف المحلية صعوبات في استعادة علاقاتها الدولية، ما يجعل التعاون مع «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي» و«مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا» (MENAFATF) عاملاً محورياً لإعادة فتح قنوات تدفق رأس المال.
في هذا السياق، أشار وزير الخارجية أسعد الشيباني، في وقت سابق من العام، إلى سنغافورة كنموذج ملهم لسوريا المستقبل: دولة صغيرة اندمجت عالمياً بفضل التجارة والخدمات وموقعها الاستراتيجي. ويستلزم الاقتراب من هذا النموذج الاستثمار في الموانئ والممرات النقلية والطاقة، بالتوازي مع إعادة بناء منظومة التعليم وتعزيز الحوكمة.
وتتوافق هذه الأولويات مع خبرات «البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية» في تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأعمال الزراعية والبنية التحتية البلدية، وكذلك مع تركيز «البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية» على مشاريع التكامل الإقليمي والربط بممرات التجارة بين آسيا والخليج وأوروبا.
منذ نهاية عام 2024، شهدت الساحة الدولية زخماً لافتاً تجاه سوريا مع تيسير العقوبات الأميركية والأوروبية وتدفّق مذكرات التفاهم الاستثمارية. غير أن هذه الحماسة قد تتحول إلى مشاريع متفرقة وغير منسقة ما لم تتوافر رؤية وطنية واضحة.
وأوضح التقرير أن على الحكومة الانتقالية صياغة خريطة أولويات شاملة تضمن توافق التمويل الخارجي مع خطة تنمية اقتصادية متكاملة، بعيداً عن التجزئة أو الحسابات السياسية الضيقة. ويتيح توسيع الشراكة مع بنوك التنمية تنويع مصادر التمويل وحماية البلاد من تقلبات المساعدات الثنائية، بما يسرّع إعادة البناء ويحوّل مقومات سوريا البشرية والجغرافية إلى ركيزة لتعافٍ اقتصادي مستدام.
وبالنسبة لدولة أنهكتها الحرب لكنها ما زالت غنية برأس المال البشري وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، قد يشكّل التعاون مع هذه المؤسسات الجسر الاقتصادي الذي يربط بين واقع الدمار وطموح التعافي المستدام.