logo
اقتصاد

الاقتصاد السوري بين إمكانات الداخل ورأس المال الخارجي.. إلى أين؟

الاقتصاد السوري بين إمكانات الداخل ورأس المال الخارجي.. إلى أين؟
سوريون في متجر يحمل لافتات كتب عليها «صرف جميع أنواع العملات»، بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، دمشق، سوريا، 12 ديسمبر 2024.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

في تحول يُعدّ الأوسع منذ أكثر من عقد، بدأت دمشق تستقطب اهتماماً خليجياً متجدداً وانفتاحاً غربياً كبيراً.

فقد استضافت العاصمة السورية بين يوليو وأغسطس 2025 منتديين استثماريين كبيرين بمشاركة رجال أعمال وشركات من السعودية وقطر والإمارات، تمخضا عن تعهدات استثمارية بلغت نحو 20 مليار دولار. وتركزت هذه الالتزامات على مشاريع ضخمة في قطاعات النقل والعقارات والترفيه، التي يُنظر إليها كرموز للتطبيع الاقتصادي وبناء الثقة.

بالتوازي، وقّعت سوريا مذكرات تفاهم جديدة مع مستثمرين أجانب في مجالات الطاقة والاتصالات والإعلام، بينما أبدت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي استعداداً تدريجياً للانخراط اقتصادياً. ففي مايو 2025، أعلنت واشنطن وبروكسل رفع بعض العقوبات القطاعية، بما في ذلك تلك المفروضة على «مصرف سوريا المركزي»، وإعادة إدراج البلاد في نظام التحويلات المالية الدولية التابع لـ«جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك» (SWIFT).

ومن منظور القيادة الجديدة في دمشق، تمثل هذه التطورات أكثر من مجرد «عودة اقتصادية»، إذ تُعد أيضاً إشارة سياسية إلى أن «سوريا تستحق بداية جديدة». غير أن هذا التفاؤل يظل محدوداً في ظل اقتصاد مثقل بالأعباء، وانقسامات اجتماعية، وأوضاع أمنية غير مستقرة، بحسب تقرير نشره «المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية» (ISPI).

أخبار ذات صلة

صورة أرشيفية لمعبر نصيب/ جابر الحدودي بين سوريا والأردن 29 سبتمبر 2021

سوريا توقع اتفاقية مع شركة إسبانية لإنزال أول كابل بحري دولي

مكاسب محدودة وأوضاع داخلية متقلبة

في مقابل هذا الانفتاح الخارجي، تواجه دمشق تحديات داخلية عميقة. فقد أعادت موجة العنف التي شهدتها محافظات اللاذقية وطرطوس والسويداء بين مارس ويوليو 2025 تسليط الضوء على كلفة غياب المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وهما ركيزتان أساسيتان لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.

ويحذر محللون من أن أي عودة إلى سياسات العزلة الغربية قد تقوّض جهود التعافي، وتضعف مؤسسات الدولة وتحدّ من قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، مما قد يفاقم الهجرة ويعزز الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية.

رغم هذه التحديات، تسجّل البلاد عودة متزايدة للسكان. فبين ديسمبر 2024 ومنتصف 2025، عاد ما بين 500 و780 ألف لاجئ، أي ما يعادل 8 إلى 13% من المسجلين، إلى جانب 1.6 مليون نازح داخلي. وتبرز هذه العودة رغم أن نحو ثلث المساكن في سوريا مدمّر أو متضرر بشدة، وأن أكثر من 90% من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

ويرى الخبراء أن غياب خطة وطنية متكاملة للتعافي، تربط بين الإسكان والخدمات والأمن، يجعل وتيرة العودة غير مستدامة على المدى الطويل.

خطة شاملة لإعادة الإعمار

بعد مرور تسعة أشهر على توليها السلطة، لم تطرح الحكومة السورية بعد خطة اقتصادية متكاملة للتعافي وإعادة الإعمار. ويعكس هذا الغياب، وفق التقرير، محدودية القدرات الإدارية، إضافة إلى الغموض المحيط بدور المجتمع الدولي. فبعد 14 عاماً من الصراع، أدى إرهاق المانحين وتعدد الأزمات العالمية إلى بطء تدفق التمويل الخارجي، بينما يتبنى الغرب مقاربة حذرة تجاه القيادة الجديدة في دمشق.

في ظل ذلك، تتبع الحكومة ما يمكن وصفه باستراتيجية ثلاثية المسارات تقوم على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتحفيز رأس المال المحلي والمغترب، وتوسيع دور المجتمع المدني في عملية التعافي.

العلم السوري يرفرف في حديقة تشرين بالعاصمة دمشق
علم سوريا يرفرف في حديقة تشرين بالعاصمة دمشق. المصدر: (أ ف ب)

الاستثمار الخارجي

يركز المسار الأول على جذب الاستثمارات الخليجية والتركية، التي تُوجَّه في معظمها نحو مشاريع البنية الفوقية مثل المطارات والأبراج والمراكز التجارية. ويرى مراقبون أن هذه المشاريع، رغم أهميتها الرمزية ودورها في استعادة الثقة بالاقتصاد السوري، لا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الاجتماعية العاجلة كالسكن والتعليم والأمن الغذائي والمائي.

ويعزو محللون هذا التوجه إلى رغبة الحكومة في بناء صورة انطباعية عن الاستقرار والتعافي بهدف استقطاب الاعتراف الخارجي وإعادة إدماج البلاد اقتصادياً. وفي ظل بطء الانفتاح الغربي، قد يدفع هذا التوجه دمشق إلى تعميق تعاونها مع روسيا والصين لتعويض غياب التمويل الغربي المباشر.

تحفيز رأس المال المحلي

أثارت بعض المشاريع الأجنبية احتجاجات محلية، كما حدث في حمص حين رفض السكان مشروعاً عقارياً خشية التهجير، ما دفع الحكومة إلى تعديله. ورغم تجاوب السلطات، كشفت الحادثة هشاشة آليات التشاور المجتمعي في التخطيط العمراني.

أما المسار الثاني فيعتمد على تحفيز رأس المال المحلي والمغترب. فقد أطلقت الحكومة حزمة حوافز ضريبية وتشريعية لتشجيع الاستثمارات، كما أعادت إحياء مشاريع كبرى مثل «ماروتا سيتي» في دمشق و«حي الحيدرية التنموي» في حلب، مع وعود بتأمين سكن بديل وحماية حقوق الملكية.

دور المجتمع المدني

المسار الثالث يتمثل في توسيع دور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية. ومن أبرز هذه المبادرات حملة «أربعاء حمص» التي جمعت نحو 14 مليون دولار لدعم مشاريع في مجالات الصحة والتعليم والمياه، إلى جانب مبادرات مماثلة في حلب ودرعا وحماة.

ورغم أهمية هذه الجهود، يرى خبراء أنها تبقى محدودة ومتفرقة في غياب إطار وطني شامل للتعافي ينسق بين الجهات الفاعلة ويحدد الأولويات بوضوح.

أخبار ذات صلة

مقر مصرف سوريا المركزي في دمشق يوم 18 يناير 2025

سوريا تعيد تنظيم سوق الذهب وتطلق خطة جديدة لترخيص المصافي

الدور الأوروبي

في مؤتمر «الوقوف مع سوريا» التاسع في بروكسل، الذي عقد في مارس 2025، تعهّد الاتحاد الأوروبي بتقديم 2.5 مليار يورو لبرامج الإغاثة والتعافي المبكر، في خطوة وُصفت بأنها جسر بين المساعدات الإنسانية والتنمية الاقتصادية. غير أن اقتصاديين يرون أن على أوروبا تجاوز النهج الإغاثي نحو شراكة اقتصادية مشروطة بالإصلاح والشفافية.

ويشير محللون إلى أن العقوبات والعزلة لم تنجح في دفع مسار التحول الديمقراطي، بل عمّقت الركود الاقتصادي. ومع وجود حكومة أكثر انفتاحاً في دمشق لأول مرة منذ عقود، تتاح فرصة جديدة أمام الاتحاد الأوروبي لدعم الإصلاح عبر حوافز اقتصادية وتنموية ترتبط بالحوكمة والشفافية.

ويقترح خبراء إنشاء تحالف دولي لإعادة الإعمار يضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج والقطاع الخاص السوري، لتنسيق الجهود وضمان الشفافية. كما يمكن لتفعيل آليات خفض المخاطر الاستثمارية، مثل قنوات الدفع المرخصة وضمانات المخاطر السياسية، أن يعزز من فاعلية تخفيف العقوبات ويشجع مشاركة الجاليات السورية في الخارج عبر مشاريع اقتصادية وتنموية.

اختبار استراتيجي للمجتمع الدولي

يمثل تعافي سوريا اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي، فإعادة الإعمار القائمة على الشفافية والملكية المحلية يمكن أن تفتح الباب أمام استقرار داخلي وتنمية إقليمية تشمل الأردن ولبنان والعراق وتركيا.

أما في حال غياب التنسيق، فقد تواجه البلاد مساراً هشاً نحو ديون مرتفعة ونمو غير متوازن يعتمد على تمويلات ذات دوافع سياسية. وكما عبّر أحد الدبلوماسيين الأوروبيين: «السؤال لم يعد ما إذا كانت سوريا ستُعيد البناء، بل كيف، ومن، ولصالح من».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف