
بينما تراجعت موجة التضخم التي أعقبت الجائحة في معظم الاقتصادات المتقدمة، ما زالت بريطانيا تعاني من أعلى مستويات نمو الأسعار بين الاقتصادات الغربية الكبرى.
صحيح أن التضخم الاستهلاكي تراجع كثيراً عن ذروته في أواخر عام 2022 حين بلغ 11.1%، وذلك بعد أن رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة الأساسية بقوة من ما يقارب الصفر في أواخر 2021 إلى 5.25% في 2023، ما قلّص السيولة وأضعف القدرة الشرائية للمقترضين.
لكن التضخم عاد للارتفاع مجدداً، مسجّلاً 3.8% في يوليو وأغسطس بحسب بلومبرغ وهو الأعلى منذ أكثر من عام ونصف ومتجاوزاً بكثير هدف البنك البالغ 2%. وردّ بنك إنجلترا بالإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 4%، ما يزيد الضغط على الأسر التي تعاني أصلًا من تراجع تاريخي في مستويات المعيشة.
الطاقة: اعتماد بريطانيا الكبير على الغاز المستورد جعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار. فأسعار الغاز التي ارتفعت بقوة في 2022 لم تعد إلى مستويات ما قبل الجائحة، ويؤثر الغاز على تسعير الكهرباء في أكثر من 90% من الأوقات.
الأجور والعمالة: نقص اليد العاملة بعد الجائحة أدى إلى نمو سريع للأجور، مع إضرابات في قطاعات النقل والقطاع العام. ورغم تباطؤ الزيادات مؤخراً، فإن نمو الأجور (4.8% حتى يوليو) لا يزال أعلى من المستوى الذي يعتبره البنك متسقًا مع استقرار الأسعار.
السياسات الحكومية: رفع الحد الأدنى للأجور بشكل متواصل وزيادة الضرائب على الرواتب دفع الشركات إلى تمرير التكاليف للمستهلكين عبر الأسعار.
بريكست: أضافت الحواجز التجارية الجديدة تكاليف على السلع المستوردة. وقدرت دراسة أن ثلث ارتفاع أسعار الغذاء بين 2019 و2023 مرتبط بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
يرفع تكاليف المعيشة ويقوض القدرة الشرائية، خصوصاً للفئات ذات الدخل المنخفض التي تنفق نسبة أكبر على السلع الأساسية. أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية ارتفعت 5.1% في أغسطس مقارنة بالعام السابق، وقفزت أسعار الغذاء وحدها بنحو 40% منذ بداية 2020.
الأسر البريطانية أكثر عرضة لارتفاع الفائدة من نظرائها في أوروبا والولايات المتحدة بسبب إعادة تمويل القروض العقارية بشكل متكرر.
ضعف الإنتاجية: إنتاجية العامل البريطاني تراجعت 1% على أساس سنوي في الربع الثاني 2025، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على النمو دون إثارة التضخم.
الهجرة والاستثمار: تدفقات الهجرة منذ 2010 ساعدت في تعويض ضعف الإنتاجية، لكن غياب الاستثمار طويل الأمد من القطاعين العام والخاص أعاق النمو.
ارتفاع أسعار الغذاء (مثل اللحوم وعصير البرتقال والشوكولاتة) والوقود بات العقبة الأحدث. كما أن أي ارتفاعات مؤقتة للأسعار تجعل الأسر تطالب برفع الأجور لتعويض تراجع مستوى المعيشة.
يتوقع بنك إنجلترا أن تعود معدلات التضخم إلى 2% بحلول أوائل 2026، لكن القفزة الحالية تزيد من حذره.
لا يقدم البنك تقديرات رسمية للمستوى «النهائي» للفائدة، لكن معظم الاقتصاديين يتوقعون استقرارها بين 3% و3.5%.
عضو لجنة السياسة النقدية آلان تايلور رجّح أن تستقر قرب 2.75%. بالمقارنة مع العقد الذي أعقب الأزمة المالية حين بلغت الفائدة 0.5%، يُعد هذا المستوى مرتفعاً، لكنه يظل أدنى من المعدلات التي سبقت 2008 والتي نادراً ما هبطت تحت 4.5%.
حتى أواخر سبتمبر، ومع بقاء التضخم البريطاني أكثر صلابة مما كان متوقعاً، خفّض المستثمرون رهاناتهم على خفض وشيك للفائدة، ورجّحت الأسواق احتمالات ضعيفة لتخفيض في نوفمبر أو ديسمبر.