توقعات بارتفاع التضخم والفائدة
البنوك تحذر من صدمة الإمدادات

تواجه البنوك المركزية اختباراً جديداً بعدما أشعل ارتفاع النفط ضغوط التضخم، فيما تضيف توترات البحر الأسود وتعطل صادرات القمح جبهة جديدة قد تدفع أسعار الغذاء إلى موجة صعود أخرى.
عادت أسعار القمح إلى الواجهة مع تصاعد الهجمات الروسية والأوكرانية على السفن والموانئ، بعدما تعطلت حركة التصدير عبر البحر الأسود وارتفعت كلفة الحصول على الحبوب من مناشئ بديلة حول العالم.
وتحذر مؤسسات زراعية وبنوك من أن استمرار اضطراب البحر الأسود قد يبقي علاوة الحرب داخل الأسعار، حتى مع توافر إمدادات بديلة من أستراليا وكندا والاتحاد الأوروبي خلال الموسم الجاري.
يرى كبير الاقتصاديين لدى «يو بي إس»، بول دونوفان، أن تتابع صدمات السلع والطاقة يعيد تغذية التضخم العالمي، بعدما دفعت الحرب أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة وتزامنت مع ضغوط جديدة في الغذاء والحبوب.
ويقول كبير اقتصاديي البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إن صدمة الطاقة الحالية ستجعل التضخم أعلى وأكثر استمراراً، مع انتقال ارتفاع الكلفة إلى الغذاء والسلع، بما يؤخر العودة المستدامة إلى مستهدف 2%.
كما يتوقع «مورغان ستانلي» استمرار دورة التشديد لدى الفيدرالي والمركزي الأوروبي، بعدما دفع ارتفاع النفط والتضخم البنوك إلى رفع توقعات الفائدة؛ ما يجعل صعود القمح عبئاً إضافياً على معركة الأسعار.
أدت الهجمات المتبادلة إلى تعطيل سفن وموانئ في البحر الأسود، فيما تشير بيانات حديثة إلى أن الشحنات الروسية والأوكرانية تراجعت بشدة، مع اتساع المخاطر على أحد أهم ممرات تجارة القمح عالمياً.
وتشير تقارير التجارة إلى أن استهداف الموانئ والسفن دفع المشترين إلى البحث عن شحنات أسترالية وأرجنتينية، بعدما تأخرت كميات كان يفترض وصولها من روسيا وأوكرانيا إلى أسواق آسيوية رئيسية.
كذلك أظهرت تقارير ملاحية أن الهجمات على البنية التحتية والسفن دفعت شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تسعير المخاطر، في وقت أصبحت فيه مسارات البحر الأسود أكثر صعوبة وكلفة على المصدرين حالياً.
يرى «رابوبنك» أن ارتفاع الحبوب، وفي مقدمتها القمح، يرفع كلفة الغذاء عبر المخابز والأعلاف والتصنيع، بالتزامن مع صعود الطاقة والأسمدة والنقل، بما يوسع الضغوط على سلة المستهلك خلال 2026 و2027.
يتوقع بنك إنجلترا ارتفاع تضخم الغذاء قرب 3.5% بنهاية 2026، مشيراً إلى أن صدمات الطاقة والحبوب تنتقل سريعاً عبر سلاسل الإنتاج والتوزيع؛ ما يدفع أسعار الغذاء إلى مساهمة أكبر في التضخم العام.
كما يرى «آي إن جي» أن انتقال صدمات السلع إلى الغذاء والسلع الصناعية يضع البنوك المركزية أمام تشديد إضافي إذا أصبحت الضغوط أكثر استمراراً، خصوصاً مع بقاء التضخم أعلى من المستهدف.
بدأت شركات روسية تحويل محطات كانت مخصصة للفحم والأسمدة في موانئ البلطيق والقطب الشمالي إلى شحن الحبوب، بعدما مر تاريخياً نحو 90% من صادرات الحبوب الروسية البحرية عبر البحر الأسود.
وتراجعت صادرات الحبوب الروسية 31% خلال يوليو وأغسطس مقارنة بالعام الماضي، بينما تشير تقديرات إلى هبوطها بنحو 50% خلال سبتمبر، رغم زيادة استخدام الموانئ البديلة وخطوط السكك الحديدية.
بالمقابل تبقى هذه المسارات أقل كفاءة من البحر الأسود، إذ ترفع مسافة النقل وكلفة الخدمات اللوجيستية، بينما تعتمد موسكو على موانئ مثل أوست لوغا وسان بطرسبورغ ومورمانسك لتعويض جزء من الفاقد الحالي.
تتوقع وزارة الزراعة الأميركية انكماش تجارة القمح العالمية خلال موسم 2026–2027 مقارنة بالموسم السابق، مع استمرار اضطرابات البحر الأسود وتراجع قدرة بعض المصدرين على الوصول إلى الأسواق.
وتشير تقديرات الوزارة إلى أن الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا قد تعوض جانباً من النقص، بينما تبقى السوق أكثر اعتماداً على مناشئ بديلة قادرة على سد الفجوة إذا طال تعطل الشحنات الروسية والأوكرانية.
يؤدي انتقال الطلب إلى مناشئ أبعد إلى رفع تكلفة النقل على المشترين، خصوصاً في آسيا والشرق الأوسط، في وقت تبحث فيه المطاحن عن شحنات أكثر أماناً حتى لو جاءت بسعر أعلى من المعتاد.
يرى «رابوبنك» أن اضطراب البحر الأسود أصبح أحد أهم محركات القمح، مع تراجع توقعات الصادرات الروسية والأوكرانية وتشديد الإمدادات المتاحة للتجارة رغم بقاء الإنتاج العالمي عند مستويات مريحة.
ويضع مخاطر البحر الأسود والطلب الصيني وتقديرات المحاصيل الأميركية بين أبرز العوامل المؤثرة في الحبوب، بعدما أعادت هجمات الموانئ والسفن مخاطر التصدير إلى صدارة التسعير.
فيما أشار محللو البنك إلى أن تصاعد الحرب رفع أسعار الحبوب والديزل، بينما تبقى حركة القمح مرتبطة بقدرة المصدرين على إعادة فتح الممرات أو الاعتماد على طرق بديلة أكثر كلفة وأطول مسافة.
يرى «آي إن جي» أن أي تقدم نحو السلام بين روسيا وأوكرانيا يمثل عاملاً هبوطياً لأسعار القمح؛ لأنه يقلص علاوة المخاطر المرتبطة بصادرات البحر الأسود ويعيد توقعات تدفق الشحنات إلى الأسواق.
ويشير البنك إلى أن روسيا وأوكرانيا تمثلان أكثر من ربع صادرات القمح العالمية؛ ما يجعل أخبار الحرب والمفاوضات من المحركات المباشرة للأسعار حتى مع استمرار وفرة المحصول في مناطق أخرى.
ويقول «آي إن جي» إن تصاعد الهجمات دفع المضاربين إلى زيادة مراكزهم الشرائية في القمح، بينما يمكن لأيّ تهدئة تسمح بعودة الملاحة أن تقلص جزءاً من المكاسب المرتبطة بمخاطر الإمدادات.