حرب إيران توقظ شبح التضخم
المستهلك يدفع تكاليف المعركة

تلوح بوادر دورة عالمية جديدة لرفع الفائدة، بعدما دفعت حرب إيران وصعود أسعار الطاقة بنوكاً مركزية كبرى إلى التشديد أو التلويح بالمزيد، لوقف موجة تضخمية جديدة.
تبدأ الموجة الحالية من مستويات فائدة تفوق كثيراً المستويات المنخفضة التي سبقت دورة عام 2022، ما يضاعف أثر أي زيادة جديدة في قروض الأسر والشركات وخدمة الديون الحكومية.
عزز عضو «الفيدرالي»، نيل كاشكاري، توقعات استمرار التشديد، مؤكداً أن التضخم لا يزال مرتفعاً في مختلف قطاعات الاقتصاد، وليس نتيجة صعود أسعار النفط والغذاء وحدهما.
قال رئيس بنك الاحتياطي «الفيدرالي» في منيابوليس، نيل كاشكاري، إن التضخم مرتفع للغاية في مختلف قطاعات الاقتصاد الأميركي، ولا تقتصر ضغوط الأسعار على النفط والغذاء.
أوضح كاشكاري أن «الفيدرالي» لا يستطيع فتح مضيق هرمز أو خفض أسعار النفط عبر الفائدة، لكنه يمتلك أدوات لمواجهة التضخم الواسع في الخدمات وإعادته إلى مستهدف 2%.
دعم كاشكاري قرار رفع الفائدة بالإجماع، بعدما كان أحد ثلاثة مسؤولين طالبوا بالزيادة في الاجتماع السابق، حين اختارت غالبية لجنة السوق المفتوح تثبيت تكاليف الاقتراض.
قال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، جيف شميت، إن مشكلة التضخم لا تنحصر في قطاع الطاقة؛ ما يعزز موقف المطالبين باستمرار التشديد النقدي.
تحدى رئيس الفيدرالي، كيفن وارش، مطالب الرئيس دونالد ترامب العلنية بخفض الفائدة، وانضم إلى زملائه في قرار الرفع بالإجماع، مشدداً على أولوية استقرار الأسعار.
قال وارش إنه يصعب وصف الأوضاع المالية بأنها تقييدية، وهي رسالة فسرتها الأسواق بأنها تمهيد لمزيد من التشديد، وليست إعلاناً عن زيادة منفردة تنتهي عندها الدورة.
يرى كبير مسؤولي الاستثمار لدى «ميرابود أسيت مانجمنت»، آندرو ليك، أن «الفيدرالي» استعاد جانباً من مصداقيته بعد رفع الفائدة وإظهار التزامه بمواجهة التضخم.
وتسعر العقود الآجلة احتمالاً بنسبة 66.7% لإنهاء عام 2026 بفائدة بين 4.00% و4.25%، مع احتمال قوي لزيادة أخرى ربع نقطة مئوية على الأقل بحلول منتصف 2027.
وصف محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، القرار الأخير بأنه انتقال إلى مرحلة جديدة للسياسة النقدية، فيما أشار البنك إلى استعداده لمواصلة الرفع إذا استمرت ضغوط الأسعار.
جاء التحرك الياباني بعد رفع الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، بينما غير بنك إنجلترا لهجته، وفتحت كندا الباب للتشديد، وسبقت نيوزيلندا الجميع برفع الفائدة.
تأتي الخطوات رغم استقلال البنوك المركزية عن بعضها، لكنها تعكس قلقاً مشتركاً من انتقال صدمة النفط والغاز إلى أسعار السلع والخدمات والأجور وتوقعات المستهلكين.
تغيرت حسابات السياسة النقدية بعد انهيار الاتفاق القصير بين الولايات المتحدة وإيران، وتهديد تدفقات النفط عبر هرمز والبحر الأحمر، وتوقف خط الأنابيب السعودي «شرق–غرب».
التطورات بددت رهانات سادت قبل شهر واحد على انحسار القتال وتراجع أسعار الطاقة، وأعادت صدمة الإمدادات تسعير التضخم والفائدة والعوائد والنمو في الأسواق العالمية.
قال نائب رئيس البنك المركزي الأوروبي، بوريس فوجيتش، إن التوقعات تشير إلى بقاء أسعار الطاقة مرتفعةً مدةً أطول، مؤكداً اتخاذ القرارات المقبلة «اجتماعاً تلو الآخر».
حذر فوجيتش من أن استمرار التضخم خلال الخريف سيضغط على دخول الأسر وسلوك المستهلكين، وينعكس سلباً على الناتج المحلي الإجمالي، مع تآكل القوة الشرائية.
يرى الاقتصادي لدى «جيه بي مورغان»، جريج فوزيسي، أن ذروة الفائدة الأوروبية أصبحت مرتبطةً بصورة مقلقة بأحداث الشرق الأوسط، ولا يمكن استبعاد تجاوزها مستوى 3%.
رجح مسؤولون أن يصبح رفع الفائدة الأوروبية وارداً في أكتوبر، بينما يظل اجتماع ديسمبر الاحتمال الأقوى للزيادة الثالثة العام الجاري، إذا لم تنحسر ضغوط الطاقة.
يتوقع بنك إنجلترا تجاوز التضخم البريطاني 4% مطلع العام المقبل، فيما قال المحافظ آندرو بيلي إن استمرار الأزمة مدةً أطول سيجعل مهمة البنك أكثر صعوبة.
وأشار بيلي وعضوان آخران في لجنة السياسة النقدية إلى احتمال تأييد رفع الفائدة، بينما انتقلت الأسواق من توقع زيادة واحدة إلى تسعير نحو أربع زيادات خلال عام.
يعكس الفارق بين توقعات المحللين وتسعير الأسواق حجم القلق من تحول صدمة النفط المؤقتة إلى تضخم مستدام، يفرض على البنك تشديداً أكبر رغم ضعف النمو.
تظهر توقعات «الفيدرالي» أن دورة الرفع الجديدة ستكون أقل حدةً من موجة 2022–2023، حين زادت الفائدة 5.25 نقطة مئوية إلى نطاق 5.25%–5.50%.
يتوقع أكثر مسؤولي «الفيدرالي» تشدداً وصول الفائدة إلى نطاق 4.25%–4.50% بنهاية عام 2027، بزيادة نصف نقطة فقط عن مستواها الحالي، قبل بدء الهبوط لاحقاً.
تحد محدودية الزيادات المتوقعة من مخاطر صدمة نقدية مماثلة للدورة السابقة، غير أن انطلاقها من مستويات مرتفعة يسرّع انتقالها إلى قروض الأسر والشركات.
يتوقع «إيه إن زد» رفع الفائدة الأسترالية مرتين إضافيتين قبل نهاية العام، بينما دفعت قوة التضخم «وستباك» و«كومنولث بنك» إلى تقديم توقعاتهما للزيادة.
يرى الاقتصادي لدى «كابيتال إيكونوميكس»، ستيفن براون، أن رسالة بنك كندا أصبحت أكثر تشدداً، وقد تقود إلى رفع أبكر من المتوقع إذا استمرت ضغوط الأسعار.
يضع المسار الذي ترسمه البنوك والخبراء المستهلك بين ارتفاع الطاقة وكلفة القروض، فيما يتوقف اختبار الاقتصاد العالمي على مدة الحرب وانتقال صدمتها إلى التضخم الأساسي.