هواوي وعلي بابا تسرعان السباق
القيود تبطئ الصين ولا توقفها

أول زيارة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد تأتي في وقت تطرح فيه شركات صينية عملاقة نماذج ومعالجات جديدة، في رسالة تسعى بكين من خلالها إلى إثبات أن القيود الأميركية قادرة على إبطاء التقدم الصيني، لكنها لم تنجح في وقف بناء منظومة محلية بديلة.
ويضع الحراك الصيني المثير للقلق الأميركي ملف الرقائق والذكاء الاصطناعي على رأس طاولة المفاوضات بين ترامب وشي اليوم، في وقت لا تزال الصين تعتمد على التكنولوجيا الأميركية في بعض أكثر حلقات صناعة الرقائق تقدماً، بينما تقلص الشركات المحلية تدريجياً مساحة الاختناق.
قالت زميلة «معهد سياسات جمعية آسيا»، ليزي لي، إن الورقة التي يحملها شي إلى القمة ليست الادعاء بأن الصين لحقت بالكامل بالولايات المتحدة، بل إثبات أن واشنطن لم تعد قادرة على خنقها تكنولوجياً.
وقالت لي إن التطورات الأخيرة تمنح بكين حجة أكثر قوة بأن ضوابط التصدير الأميركية ترفع التكلفة وتؤخر التطوير، لكنها لا تمنع الشركات الصينية من إيجاد مسارات بديلة للرقائق والحوسبة المتقدمة.
ويشير تحليل «مورغان ستانلي» إلى أن نحو 60% من الشركات الصينية المدرجة حديثاً خلال 2026 أصبحت مرتبطة بدفع الاكتفاء الذاتي لسلاسل التوريد، مقابل 41% قبل أربع سنوات.
قدمت «هواوي» موعد إطلاق معالجها الجديد «أسيند 960 دي تي» إلى الربع الأول من 2027، قبل نحو ثلاثة أرباع من الجدول الأصلي، ضمن خطة لتقليص الاعتماد على رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية.
وقالت محللة «هوتونغ ريسيرش»، سيغريد وانغ، إن الجدول الزمني الجديد يعكس تسارعاً حقيقياً، ويمنح شي أمثلة عملية على أن القيود الأميركية دفعت الشركات الصينية إلى تطوير مسارات محلية بديلة.
وأظهرت تقارير حديثة أن «هواوي» كثفت أيضاً تسليم أنظمة حوسبة مجمعة تضم مئات الرقائق، في محاولة لتعويض فجوة الأداء الفردي أمام «إنفيديا» من خلال ربط أعداد كبيرة من المعالجات.
كشفت «علي بابا» هذا الأسبوع عن معالج «زينوو V900»، وقالت إنه يقدم ثلاثة أمثال أداء الجيل السابق، ويمكن دمجه في مجموعات ضخمة لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تعقيداً.
ورفعت الشركة في الوقت نفسه سقف طموحاتها لبناء نماذج يتراوح حجمها بين 5 و10 تريليونات معلمة، ضمن خطة أوسع لتطوير الرقائق والنماذج ومراكز البيانات داخل منظومة متكاملة.
يرى الشريك في «آسيا غروب»، جورج تشين، أن ثقة شي في قدرة الصين على الابتكار التكنولوجي وصلت إلى مستوى مرتفع، معتبراً أن التوقيت يمنح الرئيس الصيني أوراق تفاوض إضافية أمام ترامب.
وأشار تشين إلى أن بكين تحتاج إلى إثبات أنها تدخل المفاوضات من موقع قادر على الصمود، لا من موقع يعتمد بالكامل على التكنولوجيا الأميركية، خصوصاً في ملف تعتبره واشنطن جزءاً من الأمن القومي.
ويضيف أستاذ جامعة تافتس ومؤلف «حرب الرقائق»، كريس ميلر، أن الصين كثيراً ما تستخدم الإعلانات التقنية الكبرى بالتزامن مع الاجتماعات السياسية لإظهار أن شركاتها تضيق الفجوة مع الغرب.
يحذر ميلر في المقابل من أن النماذج الأميركية لا تزال متقدمة من حيث الأداء والربحية، وأن شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» تحقق إيرادات تفوق نظيراتها الصينية بعشرات المرات.
ويقول مدير «أوراسيا غروب»، شياومينغ لو، إن شركات تصنيع الرقائق الصينية لم تحقق حتى الآن تقدماً يغير المشهد التنافسي الأساسي، خصوصاً في أدوات التصنيع والعقد المتقدمة.
ويشير «غولدمان ساكس» إلى أن الصين رفعت مستوى الاكتفاء الذاتي في إنتاج الدوائر المتكاملة، لكن الفجوة بالقيمة لا تزال قائمة بسبب ضعف قدراتها في معدات الطباعة الحجرية المتقدمة.
عنق الزجاجة
أظهر تحليل «مورغان ستانلي» أن ضوابط التصدير الأميركية أعادت توجيه استثمارات الشركات الصينية نحو ما تصفه بكين بـ«نقاط الاختناق»، خصوصاً في صناعة أشباه الموصلات ومعدات الإنتاج.
وبحسب البنك، تعمل 19 من أصل 21 شركة صينية حددها التحليل على معالجة مباشرة لنقاط الاختناق في سلسلة أشباه الموصلات، ما يعكس انتقال الضغط إلى المراحل الأكثر تعقيداً من الصناعة.
ويرى البنك أن استمرار الانقسام التكنولوجي قد يدفع الصين إلى بناء منظومة ذكاء اصطناعي أكثر استقلالاً، تشمل الرقائق والحوسبة والسحابة والنماذج، مع توسع محتمل في الأسواق غير المنحازة للمنظومة الأميركية.
قالت «هواوي» إن بنيتها الجديدة للحوسبة تعتمد على تجميع عدد كبير من الرقائق لتعويض ضعف أداء الشريحة المنفردة مقارنةً بمنتجات «إنفيديا»، لكنها أقرت بوجود قيود على الطاقة الإنتاجية.
واعترف رئيس مجلس إدارة «هواوي»، إريك شو، بأن الشركة قد لا تستطيع إنتاج كميات تكفي الطلب المحلي، كما أشار إلى أن مطوري الذكاء الاصطناعي الصينيين لا يزالون يواجهون تحديات تقنية وأمنية.
ويقول ميلر إن الصين لا تزال تعتمد على الوصول إلى رقائق متقدمة عبر الخارج أو مراكز بيانات خارجية، ما يعني أن الاستقلال التكنولوجي الكامل لم يتحقق بعد رغم تسارع البدائل المحلية.
حتى الآن، لا تبدو ضوابط تصدير الرقائق المتقدمة ضمن الملفات المطروحة مباشرة على طاولة القمة، رغم أنها كانت من أكثر نقاط الخلاف حساسية خلال الأعوام الماضية.
وقالت واشنطن إن الاجتماعات التحضيرية بين وزير الخزانة سكوت بيسنت والممثل التجاري جيمسون جرير ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ ركزت على التجارة وقناة للذكاء الاصطناعي، من دون إدراج قيود الرقائق.
ويرى لايل موريس، الزميل في «معهد سياسات جمعية آسيا»، أن بكين قد تعطي أولوية أكبر لتايوان وإيران خلال القمة، بينما يبقى ملف التكنولوجيا أكثر تعقيداً من أن يُحسم في اجتماع واحد.
يرى «مورغان ستانلي» أن المنافسة الأميركية الصينية قد تنتقل من مجرد سباق على أفضل نموذج إلى سباق بين منظومتين متوازيتين للذكاء الاصطناعي، لكل منهما رقائقها وسحابتها وأسواقها المستهدفة.
ويشير البنك إلى أن الصين تراهن على نماذج أقل تكلفة ومنظومات مفتوحة وحوسبة مدعومة وشراكات سحابية، ما قد يمنحها مساحة توسع أوسع في أسواق الجنوب العالمي.
لكن البنك يستبعد انفصالاً سريعاً وكاملاً، مشيراً إلى أن سلاسل التوريد لا تزال شديدة التشابك، وأن التنافس سيظل قائماً بين الاستقلال المتزايد والاعتماد المتبادل.
يرى تشين أن بكين تدخل القمة وهي أكثر قدرة على القول إن سنوات القيود لم تمنعها من تطوير بدائل محلية، بينما يظل التفوق الأميركي واضحاً في الرقائق المتقدمة وأدوات تصنيعها.
ويشير ميلر إلى أن الرسالة الصينية لا تعني انتهاء أثر الضوابط، بل إن بكين أصبحت أكثر قدرة على امتصاصها، في وقت تضيق فيه تدريجياً بعض نقاط الاختناق التي بنت عليها واشنطن سياستها.
أما لي فترى أن إعادة ضبط العلاقة التكنولوجية بين البلدين تحتاج إلى مفاوضات أعمق بكثير، ما يجعل ملف الرقائق مرشحاً للبقاء مصدراً للتوتر حتى إذا انتهت القمة بتفاهمات في ملفات أخرى.