جبار: الأموال المستردة يجب أن تتحول من أموال مصادرة إلى أصول منتجة

حين كشفت السلطات العراقية عن أكثر من 107 ملايين دولار نقداً مدفونة تحت منزل وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه واحدة من أكبر قضايا الفساد التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة. لكن خلال الأيام الأخيرة، ارتفع عدد المعتقلين إلى 67 شخصاً بين نواب ومسؤولين ورجال أعمال، وتجاوز إجمالي الأموال والأصول المضبوطة 200 مليون دولار، فيما تشير التحقيقات الجارية إلى قضايا تتخطى قيمتها 3 مليارات دولار، تتركز في وزارتي النفط والكهرباء.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً اقتصادياً يتجاوز القضية نفسها: هل تحولت مكافحة الفساد في العراق من شعار سياسي وقضائي إلى ضرورة مالية واقتصادية لإنقاذ الدولة؟ فالعراق، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة على ماليته العامة وعجزاً يقدر بنحو 13.5 مليار دولار، لا يواجه اليوم تحدي استرداد الأموال المنهوبة فقط، بل تحدي إعادة بناء بيئة اقتصادية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على جذب الاستثمار وتحفيز النمو.
منذ انطلاق الحملة في 30 مايو 2026 باعتقال وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي في صلاح الدين، توالت المضبوطات بصورة لم يشهدها العراق منذ سنوات. ففي قضية الجميلي وحدها، أعلن مجلس القضاء الأعلى ضبط ما يعادل 107 ملايين دولار نقداً، تشمل نحو 11 مليون دولار و98 مليار دينار عراقي، إضافة إلى 70 عقاراً في بغداد وأربيل وصلاح الدين، و21 مركبة حديثة، و3 كيلوغرامات من الذهب. كانت بعض الأموال مدفونة على عمق أربعة أمتار تحت الأرض، واستلزم استخراجها استخدام آليات حفر متخصصة.
ومع اتساع الحملة في 28 يونيو 2026، طالت الاعتقالات النائبة عالية نصيف، التي ضُبط في منزلها أكثر من 20 مليار دينار عراقي (نحو 15.5 مليون دولار) وكميات من الذهب، فيما عُثر داخل مزرعة نجلها على نحو 70 مليار دينار إضافية. وامتدت الاعتقالات لتشمل رئيس تحالف «عزم» مثنى السامرائي، والنواب زياد الجنابي وبهاء النوري ومحمد الكربولي وبشرى القيسي، إلى جانب المحافظ السابق لمحافظة واسط محمد جميل المياحي.
بحسب المعطيات الرسمية المتاحة حتى نهاية يونيو، تجاوز إجمالي المضبوطات النقدية والعينية في الحملة 200 مليون دولار، مع توقعات بارتفاع الرقم خلال الأيام المقبلة. ّحجم القضايا قيد التحقيق فيتعدى 3 مليارات دولار، وفقاً لتصريحات مسؤولين عراقيين، وهي أرقام تجعل من الحملة الأوسع والأكثر جدية منذ سنوات.
يرى رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، خالد الجابري، أن قياس أثر الفساد لا يجب أن يقتصر على حجم الأموال المختلسة أو المستردة، بل يجب أن يشمل ما يعرف اقتصادياً بـ«تكلفة الفرصة الضائعة»، أي الخسائر الناتجة عن تعطيل الاستثمار وتأخير التنمية.
ويقول الجابري، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إن التأثير الحقيقي للفساد في العراق انعكس على تراجع قدرة البلاد على استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، وانخفاض جاذبية السوق للاستثمارات طويلة الأجل، مشيراً إلى أن مؤشر العبء التنظيمي ارتفع إلى نحو 60 نقطة، وهو مستوى يفوق الاقتصادات المشابهة بنحو 20 نقطة.
ويضيف أن هذا المستوى المرتفع من التعقيد التنظيمي خلق بيئة طاردة للأعمال، وأدى إلى إنهاك القطاع الخاص المستقل، وتقليص قدرته على المنافسة العادلة، ما انعكس بصورة مباشرة على النمو وفرص العمل والإنتاجية. وتقدّر المؤشرات غير الرسمية حجم خسائر العراق المتراكمة من الفساد منذ 2003 بأكثر من 500 مليار دولار، وفق تقارير رقابية محلية ودولية.
ويرى المختص في إدارة مؤسسات الدولة خلال الأزمات، علي جبار، أن توقيت حملة مكافحة الفساد الحالية لا يمكن فصله عن الظروف الاقتصادية التي تواجهها الدولة العراقية.
ويقول، لـ«إرم بزنس»: «في الإدارة العليا، لا يوجد توقيت مثالي لمحاربة الفساد، بل يوجد توقيت لا يجوز تأجيله»، مشيراً إلى أن العراق يواجه ضغوطاً مالية كبيرة، وأن استمرار الفساد يعني استمرار استنزاف الموارد العامة.
ويضيف أن نجاح الحملة لا يقاس بعدد المعتقلين، وإنما بقدرة الدولة على محاربة الفساد مع استمرار الاقتصاد بالعمل بكفاءة، موضحاً أن إيقاف النزف المالي يمثل اليوم أحد أهم أدوات إدارة الأزمة الاقتصادية، شرط أن ينعكس ذلك على زيادة الأموال المستردة، وتقليص الهدر، ورفع كفاءة الإنفاق العام.
وبحسب جبار، فإن إدارة الأزمة تتطلب تطبيق مفهوم «الإدارة المتوازية»، أي استهداف شبكات الفساد مع الحفاظ على استمرار عمل المؤسسات والخدمات والعقود والإنفاق العام دون تعطيل. وهو ما يبدو أن حكومة الزيدي تحاول تطبيقه عبر تفعيل قيادات بديلة في الوزارات السيادية، خصوصاً وزارة النفط التي تمثل نحو 93% من إيرادات الدولة.
في خطوة لافتة، أصدر رئيس الوزراء علي الزيدي توجيهاً لوزارة المالية بفتح حساب مخصص للأموال المستردة من قضايا الإثراء غير المشروع. ويهدف الحساب الجديد إلى تجميع الموارد المستردة من المدانين بقضايا فساد، وفق ما أعلنته الحكومة، في محاولة لضمان عدم تسرب هذه الأموال أو دمجها في الإنفاق العام دون تتبع.
وأعلنت هيئة النزاهة الاتحادية أن مشروع قانون خاص باسترداد الأصول سيُحال قريباً إلى البرلمان، ما يفتح الباب أمام إطار قانوني أكثر شمولاً يسمح بملاحقة الأموال المهرّبة خارج البلاد. ويأتي ذلك في ظل تصاعد الدعوات لإنشاء صندوق سيادي مستقل لإدارة هذه الأموال.
ورغم أهمية استرداد أكثر من 200 مليون دولار حتى الآن، يرى علي جبار أن هذه الأموال تمثل جزءاً محدوداً من التحديات المالية التي تواجهها الدولة، إذ لا تعادل سوى نسبة محدودة من العجز المالي السنوي.
ويقول علي جبار: «استرداد الأموال ليس نهاية الأزمة، بل بداية إدارة مرحلة التعافي الاقتصادي»، موضحاً أن توجيه الأموال المستردة إلى النفقات التشغيلية سيحقق أثراً مؤقتاً فقط.
ويقترح إنشاء صندوق وطني مستقل للأموال المستردة، يخضع للرقابة البرلمانية والتدقيق المالي الدولي والإفصاح الدوري، على أن توجه موارده إلى مشاريع ذات عائد اقتصادي مرتفع، مثل الكهرباء، والتحول الرقمي، والبنية التحتية، باعتبارها قطاعات تولّد نمواً اقتصادياً مستداماً بدلاً من تمويل الإنفاق الاستهلاكي.
ويؤكد أن «الأموال المستردة يجب أن تتحول من أموال مصادرة إلى أصول منتجة»، مضيفاً أن الشفافية الكاملة في الإعلان عن حجم الأموال المستردة وآليات استثمارها تمثل عاملاً أساسياً لبناء ثقة المواطنين والمستثمرين معاً.
رغم اتساع حملة الاعتقالات، يستبعد خالد الجابري أن تؤدي التحقيقات إلى إعادة فتح العقود الدولية الكبرى مع شركات مثل توتال إنرجيز وقطر للطاقة وبي بي، التي ضخّت استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات في قطاع الطاقة العراقي. ويوضح أن هذه العقود تخضع أصلاً لمستويات مرتفعة من التدقيق القانوني والمالي والفني، سواء من الشركات نفسها أو عبر مكاتب استشارية دولية.
لكنه يشير إلى أن المراجعات قد تطال آليات الإحالة والتعاقدات الثانوية المرتبطة بالمشاريع الكبرى، مؤكداً أن المستثمر الدولي لا يخشى مكافحة الفساد بحد ذاتها، بل يخشى غياب الوضوح القانوني أو التغيرات المفاجئة في الالتزامات التعاقدية.
ويضيف: «إذا حافظت حملة مكافحة الفساد على زخمها لمدة سنة أو سنتين، وتحسن ترتيب العراق على مؤشرات الشفافية الدولية، فإن الرسالة للمستثمرين ستكون واضحة: العراق بدأ ينتقل من اقتصاد العلاقات إلى اقتصاد المؤسسات». ويشار إلى أن العراق يحتل المرتبة 136 من أصل 180 دولة على مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، بعد تحسن أربع مراتب عن العام السابق.
إلا أنه يؤكد أن المستثمرين لا ينظرون إلى ملف الفساد وحده، بل إلى ثلاثة عناصر أساسية هي استقرار التشريعات، وسرعة تنفيذ العقود، وسهولة دخول وخروج رأس المال.
يرى الجابري أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إضافة طبقات جديدة من الرقابة، بقدر ما يتمثل في إعادة تصميم منظومة المشتريات الحكومية لتصبح أكثر كفاءة وشفافية. ويعتبر أن المجلس الأعلى السيادي للنزاهة الذي أسسه رئيس الوزراء يمثل فرصة لتحقيق هذا التحول، شرط أن ينجح في الانتقال من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الاستباقية القائمة على إدارة المخاطر.
ويشير إلى أن القطاع المصرفي العراقي لم يتمكن حتى الآن من بناء نموذج مصرفي قوي ومستدام، ليس فقط بسبب نقص الخبرات، بل أيضاً بسبب غياب بيئة أعمال قادرة على تشجيع الاقتصاد الرسمي. ويضيف أن ارتفاع العبء التنظيمي يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع كلفة الامتثال، ومع ارتفاع هذه الكلفة تزداد الحوافز للانتقال إلى السوق السوداء والاقتصاد غير الرسمي.
يرى الخبراء أن نجاح حملة مكافحة الفساد لن يقاس بحجم الأموال المضبوطة أو بعدد المسؤولين الموقوفين، بل بقدرتها على إحداث تغيير هيكلي في الاقتصاد العراقي.
ويشير علي جبار إلى أن التجارب الدولية، من جورجيا إلى ماليزيا والبرازيل، تؤكد أن مكافحة الفساد ليست حملة أمنية مؤقتة، بل مشروع لإعادة بناء الدولة. ويوضح أن جورجيا نجحت بعد عام 2003 في الحسم السريع لتفكيك شبكات الفساد وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فيما تمكنت ماليزيا بعد فضيحة «1MDB» من استرداد الأموال مع الحفاظ على الاستقرار المالي وثقة المستثمرين، بينما ركّزت البرازيل عبر عملية «غسيل السيارات» على تعزيز استقلال القضاء.
ويضيف أن «الدرس الاستراتيجي هو أن مكافحة الفساد ليست حملة أمنية، بل مشروع لإعادة بناء الدولة»، مؤكداً أن معايير النجاح ليست عدد الاعتقالات، وإنما انخفاض مؤشرات الفساد، وتحسن بيئة الاستثمار، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، وارتفاع كفاءة الإنفاق العام، وتعزيز ثقة المواطن والأسواق بمؤسسات الدولة.
في حالة العراق، قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو كيف أخفى مسؤول عراقي أكثر من 107 ملايين دولار تحت الأرض، أو كيف امتلكت نائبة برلمانية ما يعادل عشرات ملايين الدولارات نقداً في منزلها ومزرعة نجلها، بل ما إذا كانت بغداد قادرة على تحويل حربها على الفساد إلى مشروع اقتصادي يعيد الثقة بالمؤسسات، ويخفض كلفة الفساد على الاقتصاد، ويعيد العراق تدريجياً من «اقتصاد العلاقات» إلى «اقتصاد المؤسسات».