البيئة الاستثمارية السورية لا تزال تواجه تحديات كبيرة

لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق مجرد إعلان عن استئناف العلاقات السياسية بين البلدين بعد سنوات من القطيعة، بل حملت معها مؤشرات على بداية مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي الأوروبي على سوريا.
فقد رافق الرئيس الفرنسي وفد من كبار رجال الأعمال ورؤساء الشركات، فيما انتهت الزيارة بتوقيع نحو 14 مذكرة تفاهم واتفاقية، شملت قطاعات: النقل، والطاقة، والمياه، والقطاع المالي، في خطوة اعتبرها مراقبون أول محاولة أوروبية منظمة لحجز موقع في مرحلة إعادة إعمار سوريا.
لكن رغم الزخم السياسي الذي رافق الزيارة، يطرح المشهد الاقتصادي سؤالاً أكثر أهمية: هل بدأت الاستثمارات الأوروبية فعلاً بالتدفق إلى سوريا، أم أن ما يجري لا يزال في إطار استكشاف السوق تمهيداً لقرارات استثمارية قد تستغرق وقتاً؟.
يرى أستاذ الإدارة المالية في جامعة «باشاك شهير» التركية، فراس شعبو، أن زيارة ماكرون تمثل بداية مرحلة مختلفة في علاقة سوريا بأوروبا، لكنها لا تعني أن الاستثمارات الأجنبية أصبحت أمراً واقعاً.
ويقول شعبو لـ«إرم بزنس» إن الزخم السياسي والاقتصادي الذي رافق الزيارة غير مسبوق، إلا أن الشركات الأوروبية لا تزال في مرحلة دراسة السوق،وتقييم الفرص والمخاطر، قبل اتخاذ قرار بضخ استثمارات كبيرة داخل سوريا.
ويضيف أن أهمية الزيارة تتجاوز الاتفاقيات الموقعة، لأنها تمثل اعترافاً سياسياً بالحكومة السورية الجديدة، كما أن اصطحاب الرئيس الفرنسي وفداً اقتصادياً يبعث برسالة طمأنة إلى القطاع الخاص الأوروبي بأن سوريا عادت لتصبح سوقاً تستحق الدراسة بعد سنوات من العزلة.
ويشير إلى أن هذا النوع من الزيارات عادة ما يسبق دخول الاستثمارات، إذ تبدأ الشركات أولاً بجمع المعلومات، ودراسة البيئة الاقتصادية والقانونية، قبل الانتقال إلى تنفيذ المشاريع على الأرض.
وبحسب شعبو، فإن قطاعات إعادة الإعمار ستكون المستفيد الأكبر من أي انفتاح أوروبي خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها مشاريع البنية التحتية، من موانئ وطرق وشبكات كهرباء ومياه، مستشهداً بتوسعة استثمارات مجموعة «CMA CGM» الفرنسية في ميناء اللاذقية.
كما يتوقع أن يحظى قطاع الطاقة باهتمام خاص، باعتباره الأساس لأي عملية تنموية، إلى جانب الخدمات اللوجستية التي تستفيد من الموقع الجغرافي لسوريا كحلقة وصل بين الخليج والعراق والبحر المتوسط، فضلاً عن القطاعين السياحي والمالي، لافتاً إلى أن باريس بدأت بالفعل خطوات للتعاون مع دمشق في المجال المصرفي عبر التواصل بين المصرف المركزي السوري ومصرف فرنسا.
وتنسجم هذه التوجهات مع الاتفاقيات التي أُعلنت خلال الزيارة، والتي شملت إطار تعاون اقتصادي شامل، وتوسعة استثمارات «CMA CGM» في ميناء اللاذقية إلى نحو 430 مليون يورو، ومذكرة تفاهم مع «توتال إنرجيز» للتحضير لمشاريع استكشاف النفط والغاز، إضافة إلى تعاون في مشاريع المياه، والطاقة، والدعم الفني للمصرف المركزي السوري.
ورغم هذا الانفتاح، يرى شعبو أن البيئة الاستثمارية السورية لا تزال تواجه تحديات كبيرة تؤخر انتقال الاهتمام الأوروبي إلى استثمارات فعلية.
ويشير إلى أن جزءاً من العقوبات الغربية لا يزال قائماً، لكنه لا يعتبره العقبة الوحيدة، موضحاً أن المستثمرين ينظرون أيضاً إلى مستوى البنية التحتية، واستقرار البيئة الأمنية، وكفاءة النظام المصرفي، ومدى وضوح التشريعات الاقتصادية.
ويلفت إلى أن خدمات الكهرباء والاتصالات ما زالت تشكل تحدياً أمام المستثمرين، موضحاً أن ضعف خدمة الإنترنت في دمشق لا يزال يعيق حتى عقد الاجتماعات الافتراضية، في حين ترفع التطورات الأمنية من مستوى المخاطر التي تحتسبها الشركات قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
كما يؤكد أن تحديث البيئة التشريعية يمثل شرطاً أساسياً لجذب رؤوس الأموال، عبر قوانين واضحة وشفافة تحمي الملكيات الخاصة، وتعزز ثقة المستثمرين.
ويضيف أن إزالة اسم سوريا من قوائم الدول الراعية للإرهاب، في حال تحققت خلال الأشهر المقبلة، قد تشكل نقطة تحول مهمة، لأنها ستسهم في إزالة جزء من القيود المتبقية أمام الشركات والمؤسسات المالية الدولية.
من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «Effect Plus» المنظمة لمعرض إعمار سوريا ومعرض «BIG 5 Construct Syria»، باسل السيد، أن المؤشر العملي الأول على عودة الشركات الأوروبية لا يكون عادة عبر ضخ الاستثمارات مباشرة، وإنما من خلال المشاركة في المعارض الاقتصادية المتخصصة.
ويقول السيد لـ«إرم بزنس» إن هذه المعارض تمثل البوابة الرئيسة التي تستخدمها الشركات الأجنبية للتعرف إلى الأسواق الجديدة وبناء العلاقات مع الموردين المحليين والشركات الهندسية، قبل اتخاذ قرار الاستثمار.
ويؤكد أن الشركة بدأت بالفعل تلمس ارتفاعاً في اهتمام الشركات الأوروبية والخليجية بالمشاركة في الدورات المقبلة، مشيراً إلى تلقي طلبات متزايدة من شركات ووكلاء دوليين، وأن الدورة المقبلة ستشهد مشاركة أسماء وعلامات تجارية عالمية للمرة الأولى.
ويرى أن سوريا، بعد سنوات الحرب، أصبحت سوقاً تحتاج إلى استثمارات في مختلف القطاعات، إلا أن الأولوية ستكون للبناء والبنية التحتية والطاقة والطاقة المتجددة، إضافة إلى الصناعة وخطوط الإنتاج، باعتبارها القطاعات القادرة على تحريك عملية إعادة الإعمار.
ويحدد السيد ملفين رئيسين سيحددان سرعة دخول الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة المقبلة.
الأول يتعلق بإعادة تفعيل التحويلات المصرفية الدولية ونظام «سويفت»، مشيراً إلى وجود جهود تقودها وزارة المالية والمصرف المركزي لإعادة ربط سوريا بالنظام المالي العالمي.
أما الملف الثاني فيتمثل في تحديث التشريعات الاقتصادية، موضحاً أن عدداً كبيراً من القوانين الحالية يعود إلى عقود مضت، بينما تعمل الجهات الحكومية على إعداد منظومة تشريعية جديدة تتوافق مع المعايير الدولية، بما يوفر بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين.
ويستشهد بنتائج معرض إعمار سوريا خلال العام الماضي، حيث تحولت لقاءات الأعمال إلى عقود فعلية، من بينها اتفاق تجاوزت قيمته 40 مليون دولار بين وزارة الإدارة المحلية وشركتين سعوديتين لتوريد آليات ومعدات لقطاع الخدمات البلدية، معتبراً أن هذه النتائج تفسر رغبة العديد من الشركات في توسيع مشاركتها خلال الدورات المقبلة.
وحتى إذا كان مسؤولون حكوميون في دمشق أوروبا يعتقدون أن أوروبا بدأت تنظر مجدداً إلى سوريا باعتبارها سوقاً اقتصادية واعدة، وليس مجرد ملف سياسي. إلا أن تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات طويلة الأجل سيعتمد على قدرة سوريا الجديدة على استكمال إصلاحاتها الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الاستقرار الأمني، وإعادة دمج القطاع المالي مع النظام المصرفي الدولي.
وما يمكن أن تستفيد منها سوريا على صعيد النويا الأوروبية، هو أن فرنسا تبدو، اليوم، في موقع الدولة الأوروبية الأكثر اندفاعاً لاختبار الفرص الاقتصادية في سوريا، لكن نجاحها في ترسيخ حضورها سيظل مرهوناً بسرعة تحول الزخم الدبلوماسي إلى مشاريع واستثمارات قادرة على إعادة تحريك الاقتصاد السوري.