
تشهد الصناعة التركية ضغوطاً متزايدة مع تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، وانعكاساتها على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف المواد الخام وسط تحذيرات من أن استمرار الاضطرابات قد يؤدي إلى توقف الإنتاج في عدد من القطاعات الحيوية.
ويرى محللون اقتصاديون أتراك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن حرب إيران أدت إلى موجة ارتفاع حادة في أسعار المواد الخام الاستراتيجية، ما مثل صدمة مباشرة للصناعة التركية، خاصة في قطاعات التعدين والأسمدة والصناعات التحويلية، في ظل مخاوف من تفاقم النقص نتيجة تراجع الإمدادات.
فيما اعتبروا أنه قد تتحول الأزمة لفرصة عبر اتجاه تركيا نحو تعزيز الإنتاج المحلي للمدخلات الصناعية، وتسريع مشاريع الطاقة البديلة، وترسيخ دورها كمركز إقليمي للطاقة والتصنيع على المدى المتوسط.
ويشير رجل الأعمال التركي غزوان المصري، نائب رئيس منتدى الأعمال الدولي (IBF) وعضو جمعية «الموصياد» لرجال الأعمال، لـ«إرم بزنس»، إلى أن الصناعات التركية تعتمد على «مضيق هرمز» بشكل غير مباشر لكنه مؤثر، إذ إن نحو 20% من واردات النفط التركية تأتي من دول الخليج عبر هذا الممر، في وقت يمر عبره قرابة 20% من تجارة الطاقة العالمية. هذا الاعتماد لا يقتصر على الطاقة فقط، بل يمتد إلى مدخلات صناعية أساسية، خاصة في قطاع البتروكيماويات، حيث تعتمد صناعات النسيج والتغليف في تركيا على واردات من الخليج تشكّل ما بين 35% و40% من بعض المواد الوسيطة.
وأوضح أن القطاعات الأكثر هشاشة أمام أي اضطراب هي البتروكيماويات، والنسيج، والأسمدة، والصناعات المعدنية، نظراً لارتباطها الوثيق بأسعار النفط والغاز ومشتقاتهما. ومع أي ارتفاع في أسعار المواد مثل الكبريت والمعادن الاستراتيجية—الذي قد يتجاوز 15% في فترات الأزمات—ترتفع تكاليف الإنتاج بشكل مباشر، ما ينعكس على التضخم الصناعي ويضعف القدرة التنافسية للصادرات التركية.
وعلى المدى القصير، تمتلك أنقرة بدائل جزئية، مثل تنويع مصادر الاستيراد من روسيا والعراق وأذربيجان، والاعتماد على خطوط الأنابيب، وزيادة المخزون الاستراتيجي، إلا أن هذه الخيارات لا يمكنها تعويض التأثير الكامل لأي اضطراب واسع في مضيق هرمز، وفق رجل الأعمال التركي.
وتابع: «في المحصلة، تمثل هذه الأزمة تحدياً وضغطاً على النمو الصناعي، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى فرصة لدفع تركيا نحو تعزيز الإنتاج المحلي للمدخلات الصناعية، وتسريع مشاريع الطاقة البديلة، وترسيخ دورها كمركز إقليمي للطاقة والتصنيع على المدى المتوسط».
وبحسب المحلل الاقتصادي، مصطفى خليل أوغلو، فإن «التصعيد في الشرق الأوسط تسبب في ارتفاع حاد بأسعار المواد الخام الاستراتيجية، وأثار مخاوف حول سلاسل التوريد. المعادن والمكونات الكيميائية الأساسية تشهد زيادات سريعة في الأسعار، ما يشكل صدمة كبيرة لتركيا»، وفق وكالة «نوفوستي» الروسية.
ولفت إلى أن «الوضع حرج للغاية في أسواق الكبريت وحمض الكبريتيك حيث اقترب سعر الكبريت من 900 دولار للطن، وقد يؤدي انخفاض الصادرات من الصين إلى تفاقم النقص والإضرار بصناعاتٍ مثل تعدين النيكل وإنتاج النحاس والأسمدة».
وحذر من أن استمرار الاضطرابات في الإمدادات عبر «مضيق هرمز» قد تؤدي إلى توقف الإنتاج في عددٍ من القطاعات الحيوية، من الزراعة إلى التكنولوجيا المتقدمة.
ويعد حمض الكبريتيك من أهم المواد الكيميائية الصناعية، نظراً لدوره المحوري في فصل المعادن وتنقيتها، إلى جانب استخداماته الواسعة في التعدين والصناعات التحويلية.
وأكد الباحث الاقتصادي في مؤسسة «سـتا» للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دينيز استقبال، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن مضيق هرمز يمثل أهمية حيوية لشحنات النفط العالمية، إلا أنه لا يُعد مصدراً رئيسياً لإمدادات الطاقة بالنسبة لتركيا.
قبل أن يستدرك: «لكنه يظل ذا أهمية لتركيا بوصفه مساراً لعبور السلع الصناعية، ولا سيما واردات المنتجات الكيميائية والآلات والمعدات».
وتعتمد تركيا على استيراد المواد الخام، في حين تُصدّر ما يقرب من 240 مليار دولار من السلع الصناعية، وفي حال ارتفاع أسعار المواد الخام، قد تتعرض خطوط الإنتاج إلى اضطرابات، كما أن ارتفاع تكاليفها محلياً من شأنه أن يساهم في زيادة معدلات التضخم، وفق دينيز استقبال.
وفي مواجهة التوترات بـ«مضيق هرمز»، أوضح أن تركيا تعمل على الترويج لـ«الممر الأوسط» الذي يمتد من الصين إلى أوروبا كبديل لوجستي، كما تطرح مصر كخيار لوجستي بديل، وعلى المدى القصير، تمتلك تركيا موارد كافية لإدارة تداعيات الأزمة، غير أن آثاراً سلبية قد تظهر على المدى المتوسط والطويل.
ويشير بكير أتاجان، مدير مركز الفكر للدراسات الاستراتيجيّة في إسطنبول، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أن إغلاق مضيق هرمز يؤثر سلباً على الصناعة التركية؛ بسبب نقص المواد الخام وكذلك إمدادات الغاز من الخليج.
وأضاف أتاجان في حديث لـ«إرم بزنس»، أن استمرار إغلاق «مضيق هرمز» يضاعف الضغوط على الأسواق العالمية حيث لم تعد تداعيات الأزمة مقتصرة على النفط والغاز، بل امتدت إلى المواد الخام الاستراتيجية في ظل صعوبة إيجاد مسارات بديلة للإمدادات على المدى القصير.
وشهد النشاط الصناعي التركي انكماشاً بأسرع وتيرة له، خلال خمسة أشهر، في مارس المنصرم، مع ارتفاع التكاليف، وتعطّل سلاسل التوريد، وتراجع الطلب نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وفقاً لمسحٍ تجاري نُشر مطلع أبريل الجاري.
وأظهر المسح أن مؤشر مديري المشتريات لقطاع التصنيع التركي، الصادر عن غرفة صناعة إسطنبول، وتُعدّه مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال»، انخفض إلى 47.9 نقطة في مارس، مقابل 49.3 نقطة في فبراير، مع العلم بأن مستوى 50 نقطة يفصل بين النمو والانكماش.
قال أندرو هاركر، مدير الشؤون الاقتصادية في مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»: «لقد عانى قطاع التصنيع التركي انتكاسة في مارس، بعد أن بدأت الظروف تتحسن في فبراير».
وشهدت الطلبات الجديدة تراجعاً، للشهر الثالث والثلاثين على التوالي، وبأسرع وتيرة منذ نوفمبر الماضي، في حين انخفض الطلب على الصادرات بوتيرة أسرع. وأفادت وكالة «ستاندرد آند بورز غلوبال» بأن الإنتاج سجل أدنى مستوى له منذ نوفمبر الماضي.
وازداد ضغط التكاليف، حيث ربطت الشركات ارتفاع تكاليف الشحن والوقود والنفط والمواد الخام بالصراع في الشرق الأوسط. وارتفعت تكاليف المُدخلات بأسرع وتيرة منذ أبريل 2024، في حين بلغ تضخم أسعار الإنتاج أعلى مستوى له خلال 25 شهراً.
وتفاقمت ضغوط سلاسل التوريد، مع أطول فترات لتسليم المورّدين منذ أغسطس 2024، بينما خفّض المصنّعون عدد الموظفين بأسرع وتيرة، خلال ستة أشهر، كما قللوا من أنشطة الشراء والمخزونات.
وأشار المسح إلى أن ظروف التصنيع التركية تراجعت شهرياً، على مدار العامين الماضيين، بينما انخفضت ثقة قطاع الأعمال إلى أدنى مستوى لها منذ خمسة أشهر، على الرغم من استمرار توقعات الشركات بارتفاع الإنتاج، خلال العام المقبل.