
تُلقي حرب إيران بظلالها على أسواق الكبريت العالمية، إذ بات خطر «تدمير الطلب» يلوح في الأفق مع تصاعد اضطرابات الإمدادات في مادة استراتيجية تعتمد عليها قطاعات حيوية، من الأسمدة إلى أشباه الموصلات.
وبحسب تقرير نشره موقع AGBI، يبرز الكبريت، رغم كونه منتجاً ثانوياً أقل شهرة في صناعات النفط والغاز، كعنق زجاجة متزايد الأهمية في السوق العالمية، مع تزايد الضغوط على الإمدادات في وقت كانت فيه السوق تعاني أساساً من شح هيكلي قبل اندلاع النزاع.
رغم استمرار غالبية الإنتاج في الشرق الأوسط منذ أواخر فبراير، فإن مؤشرات التعطل بدأت تتزايد تدريجياً. وفي هذا السياق، أشار بيتر هاريسون، المحلل الرئيسي لأسواق الكبريت وحمض الكبريتيك في مجموعة «سي آر يو» (CRU) للأبحاث، إلى أن «هناك أمثلة حديثة على إغلاق أو توقف بعض المنشآت خلال الأسبوع الماضي»، في إشارة إلى تصاعد التأثيرات التشغيلية للحرب.
ويتركز التعطل الأكثر حدة في قطر، حيث يقدّر هاريسون أن «ما بين 60% و70% من إمدادات الكبريت قد تعطلت» نتيجة توقف منشآت معالجة رئيسية، ما يمثل أحد أكبر الانقطاعات المفاجئة في السوق.
ويكتسب هذا التطور أهمية مضاعفة في ضوء الطبيعة الجغرافية للتجارة، إذ يمر نحو 20 مليون طن متري من أصل 39 مليون طن متري من الكبريت المتداول سنوياً عبر «مضيق هرمز»، بحسب تقديرات «سي آر يو»، ما يجعل السوق شديدة الحساسية لأي اضطراب في هذا الممر الحيوي.
لم يعد الكبريت مجرد منتج ثانوي، بل تحول إلى مدخل حاسم في الاقتصاد الصناعي العالمي. فبعد استخراجه من النفط والغاز عبر إزالة كبريتيد الهيدروجين وتحويله إلى كبريت عنصرّي، يُعالج لاحقاً لإنتاج حمض الكبريتيك، أحد أكثر المواد الكيميائية استخداماً على مستوى العالم.
ويُستخدم حمض الكبريتيك بشكل رئيسي في إنتاج الأسمدة، إلى جانب الصناعات الكيميائية وأشباه الموصلات، ما يعني أن أي اضطراب في إمدادات الكبريت يمتد تأثيره مباشرة إلى الإنتاج الزراعي وسلاسل الغذاء العالمية، نظراً لاعتماد المحاصيل على الأسمدة للحفاظ على مستويات الإنتاجية.
في موازاة ذلك، أشار هاريسون إلى أن بعض الكميات بدأت تتراكم في المخزونات، ليس نتيجة وفرة في العرض، بل بسبب تعطل مسارات الشحن وصعوبات النقل والتصدير، في انعكاس واضح لاختلال العلاقة بين توفر الإمدادات وإمكانية إيصالها إلى الأسواق.
بحسب تحليلات كل من «سي آر يو» و«أرغوس ميديا» (Argus Media)، فإن سوق الكبريت دخلت عام 2026 وهي تعاني بالفعل من عجز عميق، مع مستويات أسعار مرتفعة سبقت اندلاع الحرب.
فخلال العامين الماضيين، سجلت الأسعار قفزات حادة مدفوعة بارتفاع الطلب على الأسمدة في الصين، إلى جانب تنامي الاستهلاك في قطاع معادن البطاريات، ما جعل السوق أكثر عرضة لأي صدمة إضافية في الإمدادات.
وتحذر المؤسستان من أن استمرار الاضطرابات قد يدفع إلى مرحلة «تدمير الطلب»، حيث يُجبر المشترون على تأجيل المشتريات أو خفض الاستهلاك نتيجة ارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى الإمدادات.
كما وصفت «أرغوس ميديا» التأثير الحالي على السوق بأنه «شديد»، في ظل تراجع السيولة في السوق الفورية وارتفاع الأسعار، ما دفع العديد من المشترين إلى التريث وعدم الدخول في صفقات جديدة.
قبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقفاً مؤقتاً لمدة خمسة أيام للهجمات على البنية التحتية للطاقة الإيرانية، كانت مؤشرات السوق تعكس حالة من التردد الواضح لدى المشترين.
وفي هذا الإطار، أوضح هاريسون أن ضعف السيولة في السوق الفورية، إلى جانب الأسعار المرتفعة، دفع العديد من المشترين إلى التراجع عن الشراء وانتظار اتضاح مسار الإمدادات.
رغم ذلك، واصلت الأسعار اتجاهها الصعودي، حيث ارتفعت المؤشرات في الصين إلى نحو 585–600 دولار للطن خلال الأسابيع الأخيرة، بزيادة تتراوح بين 70 و80 دولاراً منذ أوائل فبراير، وفق بيانات «سي آر يو».
كما سجلت أسواق مثل إندونيسيا وجنوب إفريقيا زيادات أكبر، ما يعكس تفاوت الضغوط الإقليمية على الإمدادات.
وقال هاريسون: «تواجه سوق الكبريت معضلة أن الأسعار كانت مرتفعة بالفعل قبل اندلاع الحرب، بينما كانت القدرة على تحمل التكاليف منخفضة»، مضيفاً أن العديد من المستهلكين يفضلون انتظار وضوح تأثيرات الإمدادات قبل الإسراع في الشراء.
وشدد على أن السوق كانت تعاني بالفعل من عجز عميق، مشيراً إلى أن «فقدان صادرات الشرق الأوسط لا يمكن تعويضه من مصادر أخرى على المدى القصير».
تُعد الصين من أكثر الدول تعرضاً للمخاطر، إذ تستورد نحو 9 ملايين طن متري من الكبريت سنوياً، يأتي أكثر من نصفها من الشرق الأوسط، ويُستخدم الجزء الأكبر منها في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.
كما تعتمد دول مثل المغرب وإندونيسيا بشكل كبير على الإمدادات القادمة من الخليج، ما يوسع نطاق التأثير الجغرافي للأزمة ليشمل أسواقاً زراعية وصناعية رئيسية.
أما البديل الرئيسي للإمدادات فهو كندا، التي تصدّر بالفعل بكميات قياسية، وفق هاريسون، في حين أن معظم الشحنات القادمة من الشرق الأوسط التي تمر عبر البحر الأحمر «تم بيعها مسبقاً»، ما يحد من مرونة إعادة توجيه الإمدادات.
وفي ظل هذه المعطيات، يحذر محللون من أن استمرار تعطل الصادرات سيؤدي حتماً إلى تأجيل الطلب أو تدميره، في سوق شديدة الحساسية لمدة توقف الشحنات، ما يجعل عامل الزمن حاسماً في تحديد اتجاه الأسعار وإعادة رسم التوازنات العالمية.