
تتزايد مخاوف شركات خليجية بشأن التداعيات الأمنية المحتملة للانسحاب العسكري الأميركي المرتقب من العراق، إلا أن المستثمرين ما زالوا يرون فرصاً جذابة في السوق العراقي، بحسب محللين.
ومن المقرر أن تستكمل الولايات المتحدة انسحاب قواتها العسكرية من العراق بحلول 30 سبتمبر، وفقاً لما أكدته وزارة الخارجية الأميركية، فيما تستعد العلاقات بين بغداد وواشنطن للانتقال إلى مرحلة جديدة تركز بصورة أكبر على الشراكة الثنائية في المجالات الأمنية والاقتصادية والتنموية.
ويرجّح أن تدفع حالة عدم اليقين المتجددة المستثمرين إلى مزيد من الحذر، لكن العمل مع جار يتمتع بأهمية استراتيجية ويمتلك احتياطيات كبيرة من المحروقات ويبلغ عدد سكانه نحو 48 مليون نسمة، يظل جذاباً لدول الخليج، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وفق تقرير نشره موقع (AGBI).
وقال بدر السيف، أستاذ في جامعة الكويت والمرتبط بمعهد «تشاتام هاوس البريطاني للدراسات» في لندن ومعهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن انخراط دول الخليج تجارياً في العراق شهد نمواً خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع زيادة انفتاح البلاد أمام الشركات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن الاهتمام الخليجي سيتركز على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والاتصالات والنفط والغاز، مشيراً إلى أهمية أن يكون التعاون متبادلاً، موضحاً أن زيادة الترابط بين المشاريع الخليجية والعراقية، إلى جانب وجود استثمارات عراقية في دول الخليج، من شأنها تعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي ودعم توجه أوسع نحو إيجاد حلول إقليمية للتحديات التي تواجه المنطقة.
كانت شركة «كريسنت بتروليوم» التي تتخذ من الشارقة مقراً لها لاعباً طويل الأمد في قطاع المحروقات العراقي، فيما وافقت شركة «أكوا باور» السعودية العام الماضي على شروط مشروع للطاقة الشمسية على نطاق واسع.
كما تدير شركة «ريكسوس» التي تتخذ من دبي مقراً لها فندقاً فاخراً في بغداد.
وتضم قائمة الشركات الخليجية التي أبرمت صفقات في العراق خلال الفترة الأخيرة كلاً من شركة الاتصالات القطرية «أوريدو»، وشركة خدمات حقول النفط «يو سي سي هولدنغ» القطرية، إلى جانب شركة «موانئ أبوظبي» الإماراتية.
ومن المقرر أن تغادر القوات الأميركية العراق بحلول الموعد النهائي المحدد في 30 سبتمبر، وفقاً لما أكدته وزارة الخارجية الأميركية لموقع «شفق نيوز».
وكان رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي قد أمر الفصائل المسلحة المدعومة من إيران بإلقاء السلاح والاندماج في القوات المسلحة بحلول الموعد نفسه، قبل أن يتم تأجيل استكمال العملية إلى يونيو 2027.
وأكدت واشنطن أنها تمضي وفق الجدول الانتقالي المتفق عليه مع بغداد، مع انتقال العلاقة نحو شراكة ثنائية.
وقال كليمنس تشاي، زميل الجغرافيا السياسية في مؤسسة « أوبزرفر للأبحاث» في الشرق الأوسط بدبي، إن الاستقرار الإقليمي يمثل شرطاً مسبقاً لأي أجندة اقتصادية، وإن التطورات الأمنية في المنطقة تجعل موعد الانسحاب الأميركي مصدر قلق للمستثمرين الخليجيين.
يرى تشاي أن قدرة بغداد وواشنطن على بناء علاقات دفاعية فعالة بعد الانسحاب، إلى جانب نجاح حكومة الزيدي في الحد من تهديد الفصائل المسلحة، ستكون عوامل حاسمة بالنسبة للمستثمرين، موضحاً أن أي فشل في نزع سلاح هذه الفصائل سيشكل خطراً مباشراً على الأصول الخليجية وعلى العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج والعراق.
وتعرضت دول المنطقة لتداعيات مباشرة، بما في ذلك اضطرابات طالت صادرات الطاقة والشحن وقطاعات أخرى، في ظل استمرار المواجهة بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وأصبح العراق إحدى ساحات الصراع، بعدما تبادلت جماعات مرتبطة بإيران إطلاق النار مع الولايات المتحدة ودول خليجية، إضافة إلى الجيش العراقي والقوات الكردية، وفق AGBI.
ووقعت قبل أسبوعين ضربات ألحقت أضراراً بخط أنابيب النفط السعودي «شرق-غرب»، ما أسهم في تشديد أوضاع سوق النفط في وقت كانت فيه الأسواق تواجه بالفعل ضغوطاً مرتبطة بحالة الجمود في مضيق هرمز.
وتعتمد العراق بصورة كبيرة على صادرات النفط باعتبارها شريان الإيرادات الرئيس للموازنة، حيث انخفضت صادراتها النفطية بنسبة 90% في بداية الحرب، قبل أن تتعافى إلى نحو نصف مستوياتها التي كانت عليها قبل اندلاع الصراع.
يأتي تراجع الإيرادات النفطية في وقت تواجه فيه حكومة الزيدي تحديات هيكلية متراكمة، من بينها تضخم حجم القطاع العام، والفساد، والتوترات المستمرة بين بغداد وإقليم كردستان.
من جانبها، قالت هالة المنياوي، أستاذة الاقتصاد في جامعة لوسيل وجامعة السوربون في قطر، إن الشركات الخليجية قد ترجئ الاستثمارات الكبرى الجديدة في العراق، على الأقل إلى حين توفير ضمانات أمنية إضافية.
وأوضحت أن هذا التوجه يعكس المخاوف المتعلقة بالوضع الأمني في العراق، فضلاً عن الضغوط المالية الناجمة عن الحرب على دول المنطقة، التي قد تفضل توجيه استثماراتها نحو مشاريع محلية أو إقليمية أكثر قابلية للتنبؤ، مبينة أن المشاريع الصغرى المدعومة من الحكومات، في قطاعات مثل الإنشاءات والطرق والبنية التحتية العامة، قد تستمر رغم ذلك.
يؤكد مسؤولون أميركيون وعراقيون أن العلاقة الثنائية بين البلدين لا تشهد تراجعاً، بل تتحول من التركيز على الأمن إلى التركيز التجاري والاقتصادي.
وفي يوليو، وقعت شركات أميركية صفقات عراقية مبدئية بقيمة 60 مليار دولار خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن، وهي أول زيارة خارجية له بصفته رئيساً للوزراء.
وقالت المنياوي إن تحول التركيز الأميركي نحو الأعمال والاستثمار يمكن أن يكون إيجابياً، مشددة على أن المشاركة الاقتصادية لا يمكن أن تحل محل الأمن والمصداقية المؤسسية.
ويرى تشاي أن المستثمرين الخليجيين سيحتاجون إلى مراقبة ما إذا كان سيتم توقيع مزيد من مشاريع الغاز والكهرباء وخطوط الأنابيب، وما إذا كانت هذه المشاريع ستنتقل من مرحلة الاتفاق إلى التنفيذ الفعلي.
وقال إن إبرام اتفاقيات رسمية سيشير إلى عودة المسارين الأمني والاستثماري إلى الترابط، في حين أن استمرار الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية سيبقي هذين المسارين مجمدين.
وأكد التقرير أن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي لا يعني بالضرورة انقطاع الوجود الأميركي في العراق، إذ أفادت مصادر عراقية بأن عناصر أميركية سيبقون لحماية السفارة والبعثات الدبلوماسية والمصالح الأميركية، فيما تتجه العلاقة الأوسع نحو شراكة ثنائية.