logo
اقتصاد

من معدن صناعي إلى ركيزة نقدية.. لماذا تتدافع الدول نحو الفضة الآن؟

العجز العالمي يتخطّى 200 مليون أونصة سنوياً

السعودية تستثمر أكثر من 30.6 مليون دولار في الفضة

روسيا تنتج 38.5 مليون أونصة سنوياً

من معدن صناعي إلى ركيزة نقدية.. لماذا تتدافع الدول نحو الفضة الآن؟
سبائك فضة داخل خزنة في سنغافورة بتاريخ 18 يونيو 2019. المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

تشهد أسواق المعادن الثمينة تحولاً غير مسبوق منذ السبعينيات، مع دخول البنوك المركزية لاعباً أساسياً في شراء الفضة، في خطوة تشير إلى إعادة تشكيل طبيعة الاحتياطيات النقدية في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية وتسارع الاختلالات في النظام المالي العالمي.

هذا التحول الذي بدأ يأخذ منحى واضحاً في العامين الأخيرين يعكس إدراكاً متنامياً لدى المؤسسات النقدية بأن الاعتماد على الذهب وحده لم يعد كافياً لمواجهة موجات عدم اليقين. فالفضة، التي طالما ارتبطت بدورها الصناعي، تعود اليوم لتتقدم الصفوف كمعدن احتياطي يمتلك خصائص تجمع بين الاستقرار والقيمة الاقتصادية العملية.

أخبار ذات صلة

بائع يرتب مشغولات فضية في أحد محال العاصمة المصرية القاهرة يوم 21 يناير 2018.

قفزت 41.6% خلال 2025.. هل تنافس الفضة الذهب كملاذ آمن في مصر؟

عودة الفضة كأصل نقدي

يأتي هذا الحضور المتصاعد للفضة على خلفية عجز هيكلي في المعروض العالمي يتجاوز 200 مليون أونصة سنوياً، مقابل إنتاج يقترب من 800 مليون أونصة وطلب يتخطى 850 مليون أونصة.

وقد أكد «تقرير المسح العالمي للفضة» (World Silver Survey) لهذا العام أن الاحتياطيات العالمية من الفضة ارتفعت بنسبة 2.4% خلال عام واحد، مع توقعات بوصول الإنتاج إلى نحو 835 مليون أونصة، ما يعكس توسّعاً في عمليات التراكم سواء من القطاع الخاص أو المؤسسات الرسمية.

وتشير هذه البيانات إلى أن النمو في العرض لا يزال أقل من أن يلحق بوتيرة الطلب الصناعي والنقدي، وهو ما يدفع البنوك المركزية إلى إعادة النظر في موقع الفضة داخل محافظها.

أصل نقدي يعيد تعريف دوره

تحوّل النظرة إلى الفضة لا يعود فقط لعوامل سعرية أو مضاربية، بل يرتبط بتغيرات عميقة في بنيتها الاقتصادية. فالمعدن الذي يدخل في إنتاج الألواح الشمسية، والمكونات الإلكترونية الدقيقة، والمعدات الطبية، وأنظمة الاتصالات، أصبح جزءاً أساسياً من البنية التكنولوجية العالمية.

هذا الطلب الصناعي الكبير يخلق مستوى من الدعم الطبيعي للسعر يميزه عن المعادن الأخرى، ويمنح الفضة دوراً مزدوجاً لا يتوافر في الذهب: أصل نقدي وفي الوقت نفسه عنصر لا غنى عنه في الاقتصادات الحديثة.

وتدرك البنوك المركزية أن الفضة تقدم ميزة إضافية تتمثل في انخفاض كلفة بناء المراكز الاحتياطية مقارنة بالذهب، ما يسمح بتوسيع الحيازات دون التأثير بشكل كبير في الميزانيات العمومية. كما أن تقلب الفضة الأعلى مقارنة بالذهب يجعلها أداة قادرة على تحقيق مكاسب أكبر عند تحولات الأسواق، وهو ما يُعد جذاباً في الفترات التي تتراجع فيها قوة العملات الورقية.

صائغ سعودي يتعامل مع سيدة في محل مجوهرات في سوق طيبة للذهب في العاصمة الرياض، يوم 27 فبراير 2018.

روسيا تعيد صياغة احتياطياتها

بين الدول التي أخذت خطوات عملية واضحة، برزت روسيا عبر برنامج شامل لتوسيع احتياطياتها من الفضة، مستفيدة من قدراتها الإنتاجية التي تبلغ نحو 38.5 مليون أونصة سنوياً.

يمنح هذا التكامل بين الإنتاج الداخلي والاحتياطي الرسمي موسكو أداة لتعزيز سيادتها النقدية وتقليل اعتمادها على الأسواق الخارجية، خصوصاً في ظل بيئة دولية تتسم بالعقوبات والتوترات. ويُنظر إلى النموذج الروسي على أنه مؤشر مبكر لما قد تتجه إليه دول أخرى تمتلك قواعد إنتاج معدني واسعة.

ويتجاوز الرهان الروسي على الفضة البعد المالي؛ فهو جزء من استراتيجية أوسع لربط موارد الدولة بمنظومتها النقدية، بحيث تصبح المعادن الثمينة شريكاً أساسياً في هندسة الاستقرار الاقتصادي. ويرى محللون أن هذا الاتجاه، إذا اتسع نطاقه، قد يعيد تشكيل خريطة أسواق المعادن خلال العقد المقبل.

السعودية تتبنى عبر قنوات غير تقليدية

على الضفة الأخرى، اتخذت السعودية مساراً مختلفاً في استراتيجيتها تجاه الفضة، إذ اختارت تعزيز تعرضها للمعدن عبر أدوات مالية مدرجة بدلاً من الشراء المادي المباشر. ويبرز هذا التوجه بوضوح عبر استثمارها في صندوق «آي شيرز سيلفر ترست» (iShares Silver Trust) بحصة تتجاوز 30.6 مليون دولار موزعة على أكثر من 932 ألف وحدة.

توفر هذه المقاربة مزايا مهمة، منها السيولة العالية التي تتيح تعديل المراكز بسرعة، وانعدام الحاجة إلى بنية تخزين مادي مكلفة، إضافة إلى سهولة دمج الاستثمار في الفضة ضمن الهياكل المؤسسية القائمة لإدارة الاحتياطيات.

وتعكس هذه الخطوة فهماً متقدماً لدور الأدوات المالية في إدارة السلع الاستراتيجية، فهي تمنح السعودية إمكانية بناء مركز كبير في الفضة دون الدخول في تحديات النقل والتخزين، مع القدرة على تعزيز أو تقليص التعرض تبعاً لتغيرات السوق.

كما يُعد هذا النهج رسالة واضحة على أن الفضة باتت حاضرة في التفكير السيادي، سواء عبر التراكم المادي كما في الحالة الروسية، أو عبر المراكز المالية الضخمة كما في الرياض. ويؤكد محللون أن وجود دولتين بهذا الوزن الاقتصادي على مسارات مختلفة نحو الهدف ذاته يعزز الانطباع بأن الفضة عادت لتشكل جزءاً من الحسابات الاستراتيجية للأصول الاحتياطية.

أخبار ذات صلة

سبائك ذهب وفضة بأحجام مختلفة لدى شركة تجارة المعادن الثمينة «برو أوروم»

الذهب أم الفضة؟ رهان المستثمرين يفضح الاتجاه الجديد

انعكاسات على السوق ومسار الأسعار

يغيّر دخول البنوك المركزية بهذا الشكل المنظم ديناميكيات السوق، إذ تُسحب كميات كبيرة من الفضة من التداول وتُحفظ في الاحتياطيات لسنوات طويلة، ما يؤدي إلى تقليص المعروض الحر وتزايد حساسية السوق لأي تغير في الطلب الصناعي أو الاستثماري.

وتظهر بيانات البورصات العالمية انخفاضاً ملحوظاً في المخزونات المتاحة، خصوصاً في آسيا، ما يدعم الاتجاه الصعودي للسعر على المدى المتوسط والبعيد.

هذه التطورات دفعت مؤسسات التحليل المالي إلى مراجعة توقعاتها؛ فالنماذج المتحفظة تشير إلى مستويات تقارب 200 دولار للأونصة، بينما تتجاوز السيناريوهات المتفائلة 600 دولار، مع وجود تقديرات أكثر جرأة تتخطى حاجز 1000 دولار في حال تزامن الشراء الرسمي مع توترات نقدية عالمية أو تغييرات في هيكل أسعار المعادن.

آفاق نقدية جديدة

يُتوقع أن تأخذ الفضة مكاناً أكثر مركزية في النظام النقدي العالمي خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع توسع النقاش حول دورها المحتمل في دعم العملات الرقمية السيادية أو إدراجها ضمن سلال الأصول الاحتياطية. كما أن إعادة تصنيفها كمورد استراتيجي في العديد من الدول يضيف لها طبقة جديدة من الأهمية تتجاوز حدود السوق التقليدية نحو الأمن الاقتصادي والطاقي.

وبينما لا يبدو أن الفضة ستزيح الذهب عن موقعه التاريخي، فإن المؤشرات الحالية توحي بأنها ستصبح ركناً مكملاً في معادلة الاستقرار النقدي، في لحظة تحتاج فيها الاقتصادات العالمية إلى أدوات جديدة لمواجهة التقلبات التي تتسارع عاماً بعد آخر.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف