logo
اقتصاد

هل يملك العراق فرصة فك الارتباط الاقتصادي مع أميركا؟

هل يملك العراق فرصة فك الارتباط الاقتصادي مع أميركا؟
أحد حقول النفط العراقيةالمصدر: وكالة الأنباء العراقية
تاريخ النشر:

تساؤلات عديدة حول الاقتصاد العراقي وفرص فك ارتباطه بواشنطن، عقب تهديد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بقطع دعم بلاده للعراق، حال فاز السياسي المقرب من إيران، نوري المالكي برئاسة الوزراء، للمرة الثانية بعد توافق سياسي عراقي على ترشيحه عقب انتخابات البرلمان التي أجريت في نوفمبر الماضي.

يرى خبراء نفط واقتصاد عراقيون، في حديثهم لـ«إرم بزنس»، أن الاقتصاد العراقي ما زال مرتبطاً بحماية أميركية منذ عام 2003، بغضّ النظر عمّن يتولى رئاسة الوزراء، سواء كان نوري المالكي أو أي شخصية أخرى. ويحذّر الخبراء من أن أي محاولة لفك هذا الارتباط قد تفتح الباب أمام مطالبات بتعويضات وديون غير محسومة، ما يشكّل خطراً على اقتصاد يعتمد على النفط بأكثر من 90%.

ويؤكد الخبراء أن أي عقوبات أميركية محتملة قد تضرب إيرادات النفط وتقيّد تدفقات الدولار، ما ينعكس مباشرة على الدينار العراقي ويرفع مستويات التضخم، في سيناريو يعيد إلى الأذهان أجواء الحصار في تسعينيات القرن الماضي. ويرون أن فك الارتباط مع واشنطن، إن طُرح فعلياً، يتطلب شروطاً اقتصادية صعبة، أبرزها تنويع الاقتصاد، وإنشاء صناديق سيادية، وبناء شراكات دولية واستثمارات قادرة على امتصاص أي صدمات محتملة.

أخبار ذات صلة

رجل يسير أمام الفرع المحلي للبنك المركزي العراقي في مدينة البصرة الجنوبية، 8 ديسمبر 2023

من ضبط السوق إلى رقمنة الدفع.. كيف ينظم العراق حركة النقد في اقتصاده؟

قيود وعقبات

وفي 3 فبراير الجاري، نقلت وكالة «بلومبرغ»، عن مصادر لم تسمها أن مسؤولين كبار أميركيين أبلغوا بغداد خلال اجتماع عقد قبل أيام في تركيا بين محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق ومسؤولين أميركيين كبار، أنها قد تقلّص وصول العراق إلى عائدات صادرات النفط إذا تم تعيين المالكي، رئيساً للحكومة مجدداً وذلك بعد أيام من تحذير من ترامب أنه بلاده حال أعادت السياسي المقرب من إيران «لن تساعد العراق بعد الآن ولن تكون له فرصة للازدهار».

وعقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، أنشأت الولايات المتحدة صندوق تنمية العراق لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، بهدف تجميع عائدات مبيعات النفط واستخدامها في إعادة إعمار البلاد التي أنهكتها الحرب، ورغم إنهاء الصندوق بقرار أممي عام 2011، قبيل إعلان الرئيس الأسبق باراك أوباما سحب القوات الأميركية، استمرت الترتيبات بصيغة مختلفة، حيث تقول الولايات المتحدة إنها تحمي دخل العراق النفطي من الدعاوى القضائية المرتبطة بنظام صدام حسين المخلوع والديون، وفق «بلومبرغ».

ويتم حالياً إيداع عائدات صادرات النفط العراقية في حساب باسم وزارة المالية العراقية لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ويديره البنك المركزي العراقي، وتستخدم الحكومة هذه الأموال لتغطية نفقاتها، بما في ذلك رواتب القطاع العام والمعاشات التقاعدية، بقيمة تقارب 7 مليارات دولار شهرياً. كما تتلقى نحو 500 مليون دولار نقداً شهرياً تُنقل جواً من نيويورك إلى بغداد، بحسب المصدر ذاته.

ويتوقع العراق تحقيق إيرادات نفطية بنحو 631 تريليون دينار (482 مليار دولار) خلال خطة لخمس سنوات تمتد من 2024 إلى 2028، ليظل قطاع النفط يشكّل المُساهِم الأكبر في ميزانية البلاد.

وأعلنت وزارة التخطيط العراقية في 2025، أن إجمالي الإيرادات المتوقع تحقيقها، خلال خطة التنمية الخمسية 2024-2028، سيبلغ نحو 710 تريليونات دينار (543 مليار دولار)، وقدّرت الوزارة الإيرادات غير النفطية بنحو 79 تريليون دينار (60.31 مليار دولار)، بحصّة تزيد على 11% من إجمالي إيرادات البلاد المتوقعة خلال 5 سنوات.

عملات ورقية من الدينار العراقي بيد أحد الصرافين في مدينة البصرة، جنوب العراق، يوم 12 ديسمبر 2023.
عملات ورقية من الدينار العراقي بيد أحد الصرافين في مدينة البصرة، جنوب العراق، يوم 12 ديسمبر 2023. المصدر: (أ ف ب)

«مخاطر كبيرة»

ويرى الخبير الاقتصادي العراقي ومدير المركز العالمي للدراسات التنموية بالمملكة المتحدة، صادق الركابي، في حديث، لـ«إرم بزنس»، أن «الاقتصاد العراقي يقع تحت طائلة أوراق الضغوط الأميركية سواء استمر المالكي أو لا»، مضيفاً: «مبيعات النفط العراقية تتم بالدولار، وإيرادات النفط العراقية تصب في صندوق تنمية العراق بحساب الفيدرالي، ومع أي عقوبات لن تكون هناك أي قدرة للعراق على الصرف دون أن يكون هناك غطاء بالدولار، وهذا سوف يؤدي إلى ارتفاع التضخم في العراق وإلى حالات فقر كبيرة داخل العراق».

ويرجع ذلك إلى أن «العراق دولة تستورد 90% من احتياجاتها إن لم يكن أكثر، وتعتمد على الواردات المالية من النفط العراقي بنسبة 96% في الموازنة»، مضيفاً: «كان هناك ارتباط واضح وصريح بين الاقتصادين، وتبعية واضحة».

وعن إمكانية خروج الاقتصاد العراقي من «عنق زجاجة ضغوط واشنطن»، أضاف: «ستكون هناك خيارات كارثية، البعض طرح خيار بيع النفط العراقي بعيداً عن الدولار، وهذا إذا حدث هو أشبه بالأمور التي أسقطت نظام صدام حسين والتي أغضبت الإدارة الأميركية؛ لأن واشنطن تعتبر بأن الدولار أمراً سيادياً».

وتابع: «هناك خيار ثانٍ طرح أن يتم مطالبة واشنطن برفع الحماية التي يجددها الرئيس الأميركي بتوقيع سنوي وهذا يعرض الكثير من أموال العراق لمطالبات لا نعلم حجمها من الدائنين، وقد تظهر مطالبات بمليارات الدولارات وتصادر الأصول العراقية في الخارج».

ويعني ذلك، بحسب الركابي، أن «الاقتصاد العراقي سيبقى محشوراً في عنق الزجاجة تحت ضغوط أميركية كبيرة، إلا في حال أوجدنا مصادر دخل أخرى وبعيداً عن كنف سويفت ومراقبة الأصول، وهذا أمر لن تسمح به الإدارة الأميركية بسبب تداخل الاقتصادين العراقي والإيراني أيضاً، وخشية واشنطن أن تذهب كل عائدات أو معظم عائدات الاقتصاد العراقي إلى إيران».

وعن تقديراته الزمنية لإمكانية فك الارتباط، أضاف أن «الأمر مرتبط ببدء عملية مطالبة العراق بالكشف عن الدائنين، وهذا لم يحدث من قبل، وليس مرجحاً حالياً ويحتاج اقتصادي متنوع لديه شراكات قوية واستثمارات ضخمة لتحمل أي مخاطر محتملة».

أخبار ذات صلة

منظر جوي لسفينة حاويات راسية على رصيف ميناء أم قصر، في مدينة البصرة العراقية يوم 17 أكتوبر 2024.

تفاؤل حذر.. اضطرابات إيران تُثقل تعافي الأعمال في العراق

تدفق الدولار مرتبط بالفيدرالي

ولم يستبعد أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، نبيل المرسومي هذه المخاوف، وقال، لـ«إرم بزنس»، إن «الاقتصاد العراقي مرتهن بضغوط واشنطن، باعتبار أن آلية تدوير العائدات النفطية العراقية ما زالت تأخذ المسار الذي يمر عبر الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ومنه تتحول إلى وزارة المالية العراقية لتمويل نفقات الدولة أو للتحويلات النقدية».

وأوضح أنه «بعد أن رفعت الحماية الأممية عن الأموال العراقية منذ عام 2003، بدأت الحماية الأميركية وهناك تخوف عراقي من أن رفعها قد يؤدي إلى مطالبات من الدائنين بالتعويضات أو ديون الشركات الخاصة لأموال العراق، لكن تهديدات ترامب تثير احتمال تقييد تدفق الدولار الأميركي إلى العراق أو منع بيع نفطه للخارج كما يحدث مع إيران، وهذا لم يحدث للآن».

وأكد أن «تقييد تدفق الدولار معناه وضع العراق في أزمة كبيرة؛ لأن العراق لا يمتلك صندوقاً سيادياً، والوضع الاقتصادي والمالي أصبح صعباً بالعراق في ظل تراجع أسعار النفط».

ويعتقد أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة، نبيل المرسومي، أنه «لا يوجد قرار عراقي فاعل بضرورة رفع الحماية، ولا تزال السلطة النقدية الاقتصادية مقتنعة بأن هذا الوضع يحقق مصلحة العراق العليا».

ودعا المرسومي إلى إبعاد الاقتصاد عن حسابات السياسة، قائلا: «العصب الأساس في العراق هو النفط؛ وبالتالي ممكن أن يؤدي ذلك إلى أزمة اقتصادية هائلة في العراق، تعود بنا بالذاكرة إلى عقد التسعينيات عندما فرضت الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً شاملاً على العراق آنذاك، وكيف تدهورت الحياة المعيشية للعراقيين، وكيف تضاعفت مستويات التضخم بمعدلات جنونية، وكيف انهار سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار والعملات الأجنبية».

ووفقاً لبيانات حديثة، بلغت حصة إيرادات العراق النفطية خلال النصف الأول من 2025 نحو 92% من إجمالي إيرادات البلاد، البالغ نحو 62 تريليون دينار (47.33 مليار دولار)، بما يتجاوز نحو 57 تريليون دينار (43.51 مليار دولار)، فيما استحوذت الإيرادات غير النفطية في العراق على حصة 8% فقط من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للبلاد، إذ بلغت نحو 4.59 تريليون دينار (3.5 مليار دولار).

وفي 25 يناير الماضي، أعلنت وزارة النفط العراقية، تحقيق أكثر من 6 مليارات دولار من الصادرات النفطية لشهر ديسمبر 2025.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف