
يتسع حضور الدولار في التداولات السورية بوتيرة متسارعة، ما يعكس عمق الأزمة النقدية التي مرّ بها الاقتصاد خلال السنوات الماضية، وتنامي فقدان الليرة لقدرتها على أداء دورها التقليدي كأداة للتسعير والادخار.
ولم يعد هذا التحول مقتصراً على القطاعات المرتبطة بالتجارة الخارجية، بل امتد ليشمل معظم أنشطة السوق، إلى أن تحوّل إلى ممارسة شبه عامة تُستخدم فيها العملات الأجنبية في معاملات الحياة اليومية، حتى في القطاعات التي لطالما اعتمدت على الليرة كمحور لنشاطها.
تسارَع انتشار الدولار في سوريا بعد رفع القيود القانونية عن التعامل بالعملات الأجنبية عقب إلغاء المرسوم رقم 3 لعام 2020، ما فتح الباب أمام استخدام العملة الأميركية بشكل أوسع في السوق.
جاء ذلك في سياق تراجع حاد في ثقة السوريين بعملتهم الوطنية نتيجة الانهيار المستمر في سعر الصرف وعجز السياسات النقدية عن تحقيق الاستقرار. هذا التراجع أدّى إلى تقلّص التدفقات النقدية بالليرة وضعف قدرتها التداولية، مقابل ازدياد الكتلة الدولارية المتأتية من التحويلات الخارجية والأنشطة التجارية، خاصة تلك المرتبطة بالاستيراد.
ومع غياب أدوات فعّالة لضبط الأسعار، اتجه المواطنون والشركات إلى حماية مدخراتهم بالعملات الأجنبية، ما عمّق حضور الدولار في التعاملات اليومية.
وتشير تقييمات «البنك الدولي» لعامَي 2024 و2025 إلى أن الاقتصادات الخارجة من صراعات ممتدة تميل سريعاً إلى اعتماد العملات الأجنبية نتيجة اهتزاز الثقة بالمؤسسات النقدية، وهو توصيف ينطبق بوضوح على الحالة السورية.
ويعزّز «صندوق النقد الدولي» (IMF) هذا الطرح مؤكداً أن ضعف الثقة بالعملة المحلية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية يشكلان عاملين رئيسيين يدفعان الأفراد والشركات نحو اعتماد الدولار كملاذ آمن.
كما أدّت موجات التضخم المتلاحقة إلى تآكل المدخرات المقوّمة بالليرة، فيما زاد اعتماد الاقتصاد على الواردات من الحاجة إلى الدولار لتسوية المعاملات الخارجية في ظل محدودية الإنتاج المحلي.
كان لتدفق الاستثمارات العربية والأجنبية، التي تُقدّر بنحو 28 مليار دولار وفق تقديرات وسائل إعلام اقتصادية إقليمية، أثر بالغ في زيادة حجم التعامل بالدولار داخل الاقتصاد السوري. فمعظم هذه الاستثمارات تدخل من بوابة الشركات الأجنبية أو المجموعات الاستثمارية التي تعتمد الدولار كعملة تسوية أساسية، ما يؤدي إلى ضَخّ كميات إضافية من العملة الصعبة في السوق المحلية.
وتشير التقارير إلى أن هذا الضخ النقدي، على الرغم من ضرورته في مرحلة إعادة الإعمار، يعزز حضور الدولار في القطاعات الحيوية، خاصة العقار والطاقة والخدمات اللوجستية.
كما ساهمت عودة بعض المستثمرين السوريين من الخارج في زيادة التعاملات المقومة بالدولار، إذ تستلزم طبيعة استثماراتهم، سواء في التكنولوجيا أو التصنيع أو الخدمات، تسويات مالية دولية، ما دفع الشركات المحلية إلى التعامل بالدولار بصورة أكبر.
يوفر الدولار في سياق الاقتصاد السوري بعض الفوائد المرحلية التي لا يمكن إنكارها. فهو يمنح الأفراد والشركات وسيلة حماية من تقلبات سعر الصرف عبر اعتماد عملة أكثر استقراراً، ويساعد على ضبط الأسعار بشكل نسبي في القطاعات التي ترتبط بالتجارة الخارجية.
كما يسهم في استقطاب الاستثمارات عبر تقديم بيئة تسعير وتجارية مفهومة للمستثمرين الأجانب. ووفقاً لتحليلات «صندوق النقد الدولي»، يمكن للدولرة في الاقتصادات المتأزمة أن تؤدي دوراً مؤقتاً في كبح التضخم والحد من المضاربات على العملة المحلية ريثما تستعيد السلطات النقدية قدرتها على ضبط السوق.
إضافة إلى ذلك، تساهم الدولرة في زيادة القدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي، إذ تصبح الشركات السورية أكثر قدرة على التعامل مع الموردين الأجانب، وتسهيل الاستيراد والتصدير، وتقليل خسائر فروقات السعر. كما تمنح القطاعات التي تعتمد على المواد الأولية المستوردة مجالاً أكثر وضوحاً في التخطيط المالي، بما يحد من التقلبات غير المتوقعة في كلفة الإنتاج.
رغم ما توفره الدولرة من استقرار نسبي، فإنها تحمل مخاطر كبيرة على المدى المتوسط والطويل. فهي تُفقد السياسة النقدية فعاليتها، إذ يصبح المصرف المركزي غير قادر على إدارة المعروض النقدي أو السيطرة على التضخم دون امتلاك احتياطات أجنبية كبيرة.
كما يؤدي تراجع الطلب على الليرة إلى إضعاف رمز السيادة الوطنية وتقليص دور العملة المحلية كوسيلة للتسوية. ووفق تقارير «البنك الدولي»، فإن الاقتصادات التي تصل إلى مرحلة الدولرة شبه الكاملة تجد صعوبة كبيرة في العودة إلى استخدام العملة المحلية ما لم تستثمر في إصلاحات هيكلية أعمق.
ومن أبرز المخاطر أيضاً اعتماد الاقتصاد على عملة ليست تحت سيطرة الدولة، ما يجعل البلاد عرضة لتقلبات سياسية واقتصادية خارج حدودها. كما يضعف الاعتماد المفرط على الدولار قدرة الدولة على حماية النظام المالي في أوقات الأزمات، ويجعل استقرار الأسعار مرتبطاً إلى حد بعيد بعوامل خارجية.
مع اتساع الدولرة وتزايد الاعتماد على النقد الورقي في التعاملات اليومية، برزت مبادرات التحوّل المالي كمسار داعم للحد من تداول الدولار وتقليص الضغط على الليرة. ويأتي هذا التوجّه انسجاماً مع الحاجة إلى أدوات دفع أكثر استقراراً وقدرة على ضبط حركة السوق في بيئة نقدية شديدة التقلب.
وفي هذا الإطار، شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة خطوات أولية نحو تطوير المدفوعات الرقمية، شملت إدخال أنظمة للدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية وبطاقات مصرفية. وتنسجم هذه الجهود مع توصيات «البنك الدولي» التي تشجّع الاقتصادات الهشّة على اعتماد حلول رقمية تقلّل من استخدام النقد وتعزّز الشفافية المالية.
ومع توسّع هذه المنظومات، يُتوقع أن تؤدي دوراً متزايد الأهمية في تنظيم تحويلات المغتربين عبر قنوات رسمية، والحد من نشاط السوق السوداء، ورفع كفاءة القطاع المالي. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن رقمنة المدفوعات تشكّل خطوة أساسية نحو تقليص الدولرة النقدية وتوسيع الشمول المالي في الاقتصادات التي تواجه ضغوطاً على عملتها الوطنية.