معدلات الرسوم الفعلية في أميركا مرتفعة وسلاسل التوريد لم تستقر

يبدو أن العالم يعيش هذا العام حالة استقرار «شكلية» أكثر مما هي حقيقية. بهذه النغمة المزدوجة المطمئنة والقلقة في آن واحد افتتح صندوق النقد الدولي تقريره الأخير حول آفاق الاقتصاد العالمي، محذّراً من أن تباطؤ النمو قد يكون الهدوء الذي يسبق الموجة التالية.
ورغم أن الاقتصاد العالمي تفادى الركود بعد العاصفة الجمركية الأميركية، إلا أن الصندوق يرى أن الأسواق باتت حساسة لأي صدمة جديدة، وأن مزيج السياسات المتناقضة والتفاؤل المفرط بالذكاء الاصطناعي قد يصنع «فقاعة ثانية» لا تقلّ خطراً عن فقاعة الإنترنت في التسعينيات.
في أبريل الماضي، أعلنت الولايات المتحدة رسوماً جمركية واسعة هزّت التجارة العالمية. لكن بعد ستة أشهر، يتضح أن العالم امتص الصدمة بأقل الخسائر: فالمفاوضات التجارية، والإعفاءات الأميركية، ومرونة القطاع الخاص، حدّت من الأضرار.
رفع الصندوق توقعاته للنمو العالمي إلى 3.2% في 2025 وخفضه إلى 3.1% في 2026، بنحو 0.2 نقطة مئوية عن توقعاته السابقة، غير أن هذه الأرقام، كما يصفها التقرير، «قد تكون مضلّلة إن نُظر إليها بمعزل عن التوترات القادمة».
يرفض الصندوق فكرة أن الحرب التجارية انتهت. فمعدلات الرسوم الفعلية في أميركا ما زالت مرتفعة، وسلاسل التوريد لم تستقرّ تماماً، والأسواق بدأت تنقل الكلفة إلى المستهلكين.. والنتيجة تجارة تتغيّر ببطء نحو آسيا وأوروبا، مع خسائر في الكفاءة وارتفاع محتمل في الأسعار، مايدل على أن ما حدث ليس انتصاراً على الأزمة، بل تأجيل لها.
الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي هي العنوان الثاني في تقرير الصندوق، فبينما يرى فيها مصدراً لنمو الإنتاجية والابتكار، يحذّر من «حماسة مفرطة» تذكّر بفقاعة الإنترنت، مشيراً إلى أن ارتفاع تقييمات الشركات التكنولوجية، وضخّ رؤوس الأموال بكثافة، قد يؤدي إلى تصحيح مالي مؤلم إذا لم تتحقق الأرباح الموعودة.
لكن الصندوق يقرّ أيضاً بأن الذكاء الاصطناعي هو المحرك الوحيد القادر على رفع الإنتاجية العالمية بوضوح، شرط أن يُدار بذكاء سياسي وتشريعي يوازن بين الابتكار والانضباط.
لا تزال الصين، بحسب التقرير، عالقة في فخ العقار والديون، بعد أربع سنوات من انهيار الفقاعة العقارية. ورغم التوسع في الصناعات الخضراء مثل السيارات الكهربائية والألواح الشمسية، يرى الصندوق أن الاعتماد المفرط على الدعم الحكومي يضعف الكفاءة ويهدد التوازن المالي.
أما أوروبا، فتواجه تباطؤاً هيكلياً يقابله توسع مالي في ألمانيا لمحاولة إنعاش النمو.
وفي حين تستفيد الأسواق الناشئة من تراجع الدولار ومرونة سياساتها، لكنها تبقى عرضة لأي صدمة عالمية جديدة.
يحذّر التقرير من تراكم الديون في الاقتصادات الكبرى وضعف التقدّم في إعادة بناء الحيز المالي.
وفي الوقت ذاته، تواجه البنوك المركزية ضغوطاً سياسية متزايدة لتخفيف سياساتها النقدية على حساب استقرار الأسعار.
الصندوق يصف هذا الاتجاه بأنه «أخطر ما يمكن أن يهدد مصداقية المؤسسات المالية في العالم»، إذ قد يؤدي إلى تضخم دائم وفقدان الثقة بالسياسات النقدية المستقلة.
رغم الصورة القاتمة، لا يخلو التقرير من جرعة تفاؤل. فمجرد خفض حالة عدم اليقين في السياسات التجارية يمكن أن يرفع الناتج العالمي بـ0.4%، والعودة إلى الرسوم المنخفضة تضيف 0.3%، بينما يسهم الذكاء الاصطناعي بزيادة 0.3% أخرى؛ أي أن مزيجاً من الاستقرار والابتكار يمكن أن يمنح العالم نقطة مئوية كاملة إضافية من النمو في الأجل القريب.
ويخلص التقرير إلى أن المستقبل سيكافئ الدول التي تقلّل من الغموض، وتحسّن كفاءة إنفاقها، وتستثمر في الإنسان والتكنولوجيا. أما من يراهن على العشوائية فسيجد نفسه على الهامش في نظام عالمي يعاد تشكيله بهدوء.