
قبل نحو 15 عاماً، دخلت شركة «دريسكولز» (Driscoll’s) الأميركية الصين وهي تراهن على تحويل التوت الأزرق من فاكهة محدودة الانتشار إلى منتج استهلاكي واسع. لكن التجربة التي بدأت كفرصة توسع لشركة أميركية تحولت لاحقاً إلى نموذج مصغر لطريقة تعمل بها المنافسة في السوق الصيني: نقل سريع للتكنولوجيا، تدفق للاستثمارات، توسع هائل في الإنتاج، ثم تخمة وحرب أسعار ونزاعات على الملكية الفكرية.
بحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، أرسلت «دريسكولز» خبراءها إلى مقاطعة يونان جنوب غربي الصين، وبدأت البحث عن مناطق مناسبة لزراعة التوت الأزرق، كما عقدت شراكات مع شركات متخصصة في الجينات النباتية للحصول على أصناف عالية الجودة.
لكن طبيعة التربة في بعض مناطق يونان فرضت تغيير الخطة. وبدلاً من الزراعة التقليدية في الأرض، اتجهت الشركة إلى البيوت المحمية وزراعة النباتات في ألياف جوز الهند، مع استخدام مياه مفلترة وأنظمة ري بالتنقيط، وهي تقنيات ساعدتها على بناء إنتاج تجاري واسع رغم ارتفاع تكلفته.
ومع الوقت، أصبحت «دريسكولز» تعمل مع أكثر من 150 مزارعاً في الصين، بإنتاج يصل إلى نحو 30 ألف طن متري من التوت الأزرق سنوياً، أي ما يقارب إنتاج ولاية كاليفورنيا بأكملها.
نجاح التجربة جذب المستثمرين بسرعة؛ فقد دخلت شركات زراعية ومستثمرون محليون إلى القطاع، وانتشرت البيوت المحمية وأنظمة الري بالتنقيط في وديان يونان، فيما بدأت بنوك حكومية توفير التمويل للمزارعين الراغبين في الاستفادة من طفرة التوت الأزرق.
وفي ذروة الحماس، تحدث منتجون عن عوائد استثمارية وصلت إلى 200%، ما دفع مستثمرين وحتى أفراداً كانوا يعملون في قطاعات بعيدة عن الزراعة إلى ضخ أموالهم في مزارع جديدة.
والنتيجة كانت تحولاً جذرياً في السوق. فقد قفز إنتاج الصين من التوت الأزرق بنحو 25 ضعفاً منذ 2010، وتجاوزت البلاد الولايات المتحدة في 2021 لتصبح أكبر منتج في العالم، قبل أن يصل إنتاجها السنوي بحلول 2025 إلى نحو ضعف الإنتاج الأميركي.
بالنسبة للمستهلكين، كان ذلك خبراً جيداً؛ فقد هبطت الأسعار بصورة كبيرة، وتحولت الفاكهة التي كانت تعد منتجاً مرتفع الثمن إلى سلعة متاحة لشريحة أوسع، حتى إن وسائل إعلام صينية تحدثت عن عصر «حرية التوت الأزرق».
التوسع السريع رافقته مشكلة أكثر حساسية؛ فقد بدأت شركات غربية تلاحظ ظهور أصناف يشتبه بأنها نسخ غير مرخصة من سلالات نباتية محمية بحقوق ملكية فكرية.
«دريسكولز» رفعت أكثر من 20 قضية في الصين ضد شركات قالت إنها حصلت على نباتاتها الخاصة، وأعادت تكاثرها ثم باعتها لمزارعين منافسين. كما استعانت شركات غربية بمحققين خاصين دخلوا بعض المشاتل متنكرين في صورة تجار أو مزارعين، واشتروا شتلات لإرسالها إلى مختبرات وإخضاعها لفحوص الحمض النووي.
وفي إحدى القضايا، أظهرت فحوص وراثية وأدلة أخرى وجود أصناف محمية تزرع بصورة غير قانونية، فأمرت محكمة صينية بإتلاف النباتات ودفع تعويضات.
وتشير القضية إلى صعوبة حماية الملكية الفكرية في قطاع يمكن فيه استنساخ الأصناف الزراعية ببساطة نسبية عبر الحصول على أجزاء من النبات وإعادة إكثارها.
المنافسة لم تضر الشركات الأجنبية وحدها، فمع استمرار زيادة الإنتاج، بدأ السوق يعاني من التخمة، وهبطت أسعار التوت الأزرق بأكثر من النصف مقارنة بذروة الطفرة.
وقال مستثمر صيني دخل القطاع إن سعر توت يونان انخفض من نحو 45 دولاراً للكيلوغرام في 2021 إلى نحو 15 دولاراً هذا العام، فيما بدأ بعض المزارعين يتحدثون عن تشبع السوق وتراجع الجدوى من التوسع.
«دريسكولز» نفسها تعرضت لضغط الأرباح، لكنها لا تزال تراهن على البقاء في الصين، مستفيدة من أن استهلاك الفرد من التوت الأزرق لا يزال أقل من الولايات المتحدة وأوروبا.
القصة تتجاوز التوت الأزرق. فهي تعكس ظاهرة اقتصادية أوسع توصف في الصين أحياناً بـ«الانطواء التنافسي» أو Involution، حيث يندفع عدد كبير من الشركات نحو قطاع واعد، مستفيدة من التمويل والقدرة على التوسع السريع، قبل أن يتحول النجاح إلى فائض إنتاج وحرب أسعار تضغط على أرباح الجميع.
كما تعكس اتجاهاً أوسع في الزراعة الصينية؛ فالصين التي كانت تعتمد على الخارج في عدد من المنتجات، باتت توسع إنتاج محاصيل جديدة مثل الأفوكادو والدوريان، بينما أدى ارتفاع إنتاج بعض السلع الزراعية إلى تراجع الحاجة إلى الواردات.
وهكذا انتهت التجربة بمفارقة لافتة: شركة أميركية ساعدت على بناء سوق جديدة في الصين، لكن السوق نما بسرعة تفوق قدرة الشركة على السيطرة عليه، وتحولت الخبرة والتكنولوجيا التي منحتها أفضلية في البداية إلى صناعة محلية ضخمة تنافسها اليوم على المنتج والسعر وحتى الأصناف التي طورتها.