
يظل التعاون بين مصر و«صندوق النقد الدولي» أحد أبرز الملفات الاقتصادية التي تحظى باهتمام واسع، في ظل استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الهادف إلى تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، وتحسين مؤشرات المالية العامة، وزيادة قدرة الاقتصاد على مواجهة المتغيرات العالمية.
وبينما يرى البعض أن برامج الصندوق تمثل فرصة لدعم الإصلاحات وجذب الاستثمارات وتعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، تظل الأولوية بالنسبة للدولة هي تحقيق التوازن بين تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والحفاظ على البعد الاجتماعي وحماية الفئات الأكثر احتياجاً.
في هذا السياق، أكد عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ المصري، أحمد سمير زكريا، أن التعاون بين مصر وصندوق النقد يمثل شراكة استراتيجية فرضتها متطلبات الإصلاح الهيكلي في توقيت بالغ الأهمية، مشيرًا إلى أن الحكومة تتعامل مع برامج الصندوق بمرونة تضمن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية دون الإضرار بالأوضاع المعيشية للمواطنين.
وأوضح زكريا، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن قروض «صندوق النقد الدولي» لم تقتصر أهميتها على توفير السيولة الدولارية اللازمة للموازنة العامة وسد الالتزامات الخارجية في أوقات حرجة، بل مثلت أيضًا شهادة ثقة دولية عززت من مكانة الاقتصاد المصري أمام الأسواق العالمية ومؤسسات التصنيف الائتماني، بما ساهم في استعادة استقرار سوق الصرف ومنح الدولة مساحة أكبر للتعامل مع تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية.
أشار زكريا إلى أن مصر تمتلك بدائل تمويلية متنوعة يمكنها تقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي خلال السنوات المقبلة، من خلال تعظيم الإيرادات المحلية، والتوسع في التمويل التنموي الميسر، والاستفادة من الشراكات الأوروبية، إلى جانب تفعيل اتفاقيات مبادلة الديون، مؤكداً أن الاقتراض يجب أن يظل موجهاً للمشروعات الإنتاجية القادرة على تحقيق عوائد بالعملة الأجنبية.
وشدّد على أن تحقيق التوازن بين تنفيذ إصلاحات صندوق النقد وحماية الفئات الأكثر احتياجاً يتطلب التوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وإعادة هيكلة منظومة الدعم بصورة تدريجية ومدروسة، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار المالية العامة.
وفي تقييمه للوضع الاقتصادي الراهن، أكد النائب أحمد سمير زكريا أن الاقتصاد المصري يمر بمرحلة إيجابية تتسم باستعادة التوازن تدريجياً وإثبات قدرته على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة، لافتاً إلى أن السياسات المالية المرنة أسهمت في تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، وجذب الاستثمارات، ودعم الاحتياطي النقدي، مع استمرار الحاجة إلى جهود حكومية متواصلة لترسيخ هذا الاستقرار وضمان استدامة معدلات النمو.
بشأن التحديات، أوضح أن الحكومة المصرية تواجه عدداً من التحديات، في مقدمتها السيطرة على معدلات التضخم وحماية القوة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تداعيات التوترات الجيوسياسية والضبابية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وهو ما يستدعي استمرار السياسات المالية المرنة، وترشيد الإنفاق العام، وابتكار حلول لمواجهة الصدمات الخارجية.
أكد عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أن برنامج الإصلاح الاقتصادي لعب دوراً محورياً في إعادة هيكلة المالية العامة، وتحقيق استقرار سعر الصرف، وبناء موازنة أكثر مرونة، موضحاً أن النجاح الحقيقي للبرنامج يقاس بقدرته على حماية الاقتصاد من الأزمات، وتوفير المساحات المالية اللازمة لدعم شبكات الأمان الاجتماعي وتطوير القطاعات الإنتاجية.
وحول انعكاس الإجراءات الاقتصادية الأخيرة على المواطنين، أوضح أن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه، إلى جانب زيادة أجور المعلمين والأطباء، يمثل خطوة مهمة لامتصاص الضغوط التضخمية، ويعكس توجه الدولة نحو تعزيز الحماية الاجتماعية، مؤكداً أن زيادة مخصصات الصحة والتعليم تمثل استثماراً في رأس المال البشري وتحسين جودة الخدمات.
أشار إلى أن معدلات التضخم بدأت بالفعل في التراجع، متوقعاً استمرار هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة، بدعم من زيادة الإنتاج الزراعي، وتوافر المخزون الاستراتيجي من السلع، مع أهمية تعزيز التصنيع المحلي وزيادة الصادرات لضمان استقرار الأسواق.
وأوضح أن مؤشرات الاقتصاد الكلي بدأت تستعيد توازنها تدريجياً، إلا أن المواطن لن يشعر بثمار الإصلاح بصورة كاملة إلا من خلال استمرار خفض أعباء المعيشة، وزيادة فرص العمل، ورفع مستويات الدخل، بما يترجم التحسن الاقتصادي إلى واقع ملموس.
كما أكد على أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على تعزيز دور القطاع الخاص، وتوطين الصناعة، ودعم الصادرات، والاستمرار في خفض معدلات التضخم، إلى جانب إعادة هيكلة منظومة الدعم بصورة تحقق العدالة الاجتماعية، باعتبارها أولويات رئيسية لضمان نمو اقتصادي مستدام وتحسين مستوى معيشة المواطنين.