
تتجه تونس إلى إصدار محتمل للصكوك السيادية مع مناقشات نيابية لموازنة عام 2027، في ظل أزمة اقتصادية داخلية متأثرة باضطرابات عالمية بالنفط وإمدادات السلع إثر استمرار حرب إيران منذ نهاية فبراير الماضي.
ويحمل هذا التوجه بالنسبة للحكومة مساراً لجلب عوائد لتفادي العجز، وبالنسبة للاقتصاد يحمل مخاطر وسلبيات عديدة، وفق ما يرى خبراء توانسة تحدثوا لـ«إرم بزنس».
وتفاقم الوضع خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة فاتورة الطاقة بنحو 2.6 مليار دينار (896 مليون دولار)، لتصبح الطاقة مسؤولة الآن عن 53% من العجز التجاري، بحسب التقديرات غير الرسمية.
وبلغ العجز التجاري، في تونس نحو 17.8 مليار دينار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.
وميزانية تونس لعام 2026 بلغت 79.6 مليار دينار أي ما يعدل 27 مليار دولار في حين كانت الميزانية في العام الماضي 76,6 مليار دينار، بزيادة 3 مليارات.
وقبل أيام، أظهرت مسودة قانون الموازنة التي اطلعت عليها «رويترز» أن تونس تخطط لإصدار أول صكوك سيادية لها بقيمة 9 مليارات دينار تونسي (نحو 3 مليارات دولار) في عام 2027، كما تعتزم طلب تمويل مباشر جديد من البنك المركزي التونسي بقيمة 3.35 مليار دولار.
وتواجه تونس أزمة مالية تتسم بارتفاع الدين العام وضعف النمو ومحدودية الوصول إلى التمويل الخارجي، بينما من المتوقع أن تبلغ احتياجات الحكومة من الاقتراض نحو 28.1 مليار دينار (9.4 مليار دولار) في 2027، مقارنة مع 27 مليار دينار في 2026، بما يعكس استمرار الضغوط على المالية العامة.
ومن المرجح أن يشكل الاقتراض المحلي الحصة الأكبر من التمويل، بأكثر من 20 مليار دينار، مع استمرار اعتماد تونس بصورة كبيرة على البنوك المحلية والسوق المالي الداخلي بسبب ندرة التمويل الخارجي.
ومن المتوقع أن يبلغ التمويل الخارجي لتونس نحو 7 مليارات دينار في 2027، بينما تخطط الحكومة للجوء إلى الاقتراض المباشر من البنك المركزي التونسي للسنة الرابعة على التوالي.
وترى خبيرة الشأن الاقتصادي والتجارة الدولية، جنات بن عبد الله، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «تونس تمر بصعوبات مالية لتمويل ميزانية الدولة وقد تتجه إلى الصكوك السيادية لتوفير موارد لتمويل ميزانية الدولة، ففي ظل رفض تونس أي قروض من صندوق النقد الدولي باعتبار ما يضعه الصندوق من شروط يرفضها رئيس البلاد وتتعلق برفع الدعم عن المواد الأساسية لما لهذه الإجراءات من تأثير على السلم الاجتماعي».
ووفق ذلك المسار، تتجه الدولة بحسب جنات عبدالله إلى «التمويل النقدي المباشر من البنك المركزي لمدة ثلاث سنوات على التوالي لتخاطر في سنة 2027 للمرة الرابعة على التوالي للحصول على تمويل نقدي من البنك المركزي رغم ما يحف بهذا التمويل من مخاطر تتعلق بالتضخم المالي وتوجيه السيولة النقدية نحو تمويل الميزانية على حساب تمويل الاقتصاد والاستثمار وخلق الثروة ومواطن الشغل».
ولفتت إلى أن «طريق الصكوك السيادية، إذا ما قارناها بالسندات التقليدية التي تصدرها الدولة هناك اختلافات»، موضحة أن «هذه السندات هي عبارة عن دين، ولكن هذا الدين غير مرتبط بأي أصل رسمي وإذا ما تعثرت الدولة عن تسديد هذا الدين، يتم اللجوء إلى إعادة جدول الدين دون المساس بأملاك الدولة المباشرة».
في المقابل يحمل خيار إصدار صكوك سيادية تحديات ومخاطر تمس أصول الدولة وممتلكات الشعوب، وتعود هذه المخاطر إلى طبيعة هذه الصكوك التي تطلب وجود أصل ملموس سيادي مثل الموانئ والمطارات وشبكات الكهرباء كضمان لإصدارها، حيث يتم انتقال حق الانتفاع أو إدارة هذه الأصول الاستراتيجية إلى المستثمرين الأجانب أي الدائنين وذلك طيلة فترة الصك، مما يحد من سيادة الدولة عليها، وفق جنات عبدالله.
وأوضحت أن «هذه الصكوك تتحول إلى تهديد حقيقي عند تخلف الدولة عن دفع العوائد الدورية بحلول أجل الاستحقاق، ويستغل الدائنون هذه الأزمة للحجز على هذه الأصول المرهونة، فيما يبقى تقلب سعر الصرف سيفاً مسلطاً على الدولة التونسية باعتبار أن هذه الصكوك سيتم إصدارها بالعملة الأجنبية، وباعتبار تفاقم عجز ميزان المدفوعات الذي يؤثر سلباً على قيمة الدينار التونسي، فإن أي تراجع لقيمة الدينار سيرفع بشكل مباشر من تكلفة خدمة هذا الدين».
ولم تعلن الحكومة التونسية عن الأصول الرسمية التي ستطرحها مقابل هذه الصكوك السيادية، وفق الخبيرة الاقتصادية التونسية جنات عبد الله.
ويؤكد أستاذ الاقتصاد في تونس رضا الشكندالي، في حديث لـ«إرم بزنس»، عدم الإعلام الرسمي بعد، قائلاً: «الوثيقة الرسمية الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها هي تلك التي أرسلتها وزارة المالية إلى مجلس النواب وهي مشروع قانون المالية لسنة 2027، وهذه الوثيقة لا تتضمن نية الحكومة لإصدار صكوك سيادية».
وأضاف: «الوثيقة الرسمية التي يمكن أن تكون فيها هذه الصكوك الإسلامية هي تقرير ميزانية الدولة لسنة 2027 وهذه الوثيقة إلى الآن ليست رسمية، وتعتمد فرضيات للنمو الاقتصادي وللأسعار العالمية للنفط وهذه الوثيقة ليست متوفرة إلى حد الآن وبالتالي لا يمكن الجزم بأن الحكومة تنوي السنة القادمة إصدار صكوك سيادية وخاصة وأنها في قانون المالية لسنة 2026 قد برمجت صكوكاً سيادية ولكنها لم تنفذها»، معتبراً طرح صكوك فكرة جيدة من حيث المبدأ لكن بحاجة لتأكيد رسمي وتفاصيل.
وأضاف: «هناك مصدر آخر للتمويل في ظل الحيز الضيق للمالية العمومية التونسية والضغط الجبائي العالي جداً والصعوبات الكبيرة على مستوى تعبئة الموارد الخارجية»، لافتاً إلى أن «هذا المصدر هو الاقتصاد الموازي والذي لم تجرؤ القوانين المالية السابقة على الاقتراب منه وحتى هذا المشروع يعني لم يضبط إجراءات واضحة وجيدة لتوسيع لتوسيع الوعاء الجبائي من خلال ضم هذا القطاع للقطاع المنظم».
ويعد حجم الإيرادات الجبائية والضرائب في تونس أكثر من 60% من إيرادات موازنة الدولة العامة التي بلغت عام 2026 نحو 27 مليار دولار، منها 16.2 مليار دولار مداخيل جبائية، بحسب تقديرات غير رسمية.
ومنذ سنوات، تعتمد السلطات التونسية على اعتماد الجباية كمصدر رئيسي للمداخيل لفائدة الخزانة العامة عبر زيادة الضرائب على الدخل والشركات، في ظل تواصل شحّ التمويلات الأجنبية وتراجع تدفق الاستثمارات الخارجية.
وكشف تقرير حديث للبنك الدولي، أن الإيرادات الضريبية في تونس بلغت 26.1% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2025، مقارنة بمتوسط يناهز 18% لدى الدول ذات الدخل المتوسط التي اعتمدها البنك الدولي معياراً للمقارنة.
بدوره، قال الخبير التونسي، أيمن العبروقي، في حديث لـ«إرم بزنس»، إن «توجه الحكومة التونسية للصكوك السيادية والاقتراض من البنك المركزي كان متوقعاً خاصة في ظل العجز في الميزانية وعدم إيجاد سبل لافتراض خارجي وعدم إجراء الحكومة الإصلاحات التي طلب بها صندوق النقد الدولي خاصة في منظومة الدعم حتى تتمكن للخروج للسوق المالية العالمية بهدف طلب قرض جديد يغطي العجز في الميزانية».
ويعتقد أن «التوجه للبنك المركزي والصكوك السيادية ستكون له تأثيرات سلبية على نسبة التضخم والاقتصاد».
ولفت العبروقي إلى أهمية مراجعة الدعم وتوجيهه لمستحقيه حتى تتمكن تونس من إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بخلاف مراجعة المنظومة الجبائية لتوفير موارد جديدة للدولة ودفع الاستثمار مع إصلاح فعلي للمؤسسات العمومية التي تعاني من مشاكل مالية وهيكلية».