
تنتشر أنشطة الاقتصاد غير الرسمي في مصر على نطاق واسع، إلى حدّ باتت تشكّل ما يقارب نصف حركة النشاط الاقتصادي في البلاد.
ذلك المسار الجديد لدمج مشاريع الاقتصادي الموازي في مصر، يعتقد خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أنه فرصة حقيقية لتحقيق إيرادات لخزينة الدولة وتعزيز اقتصاد البلاد بصورة ملموسة وحقيقية.
ويرون أن أصحاب تلك المشاريع إن استشعروا أن ثمة تيسيرات ضريبة وفرصاً للربح ضمن المنظومة الرسمية ستنتهي كل التحديات تدريجياً، وسيتحول الترخيص المؤقت لدائم وتربح الحكومة إيرادات كان من الصعب التحصل عليها، شريطة امتلاك قاعدة بيانات والتحرك عبرها ووضع آلية للتعامل مع الممتنعين.
ووافق مجلس الوزراء المصري، في اجتماع يوم 17 فبراير الجاري، على تعديلات لإعادة تعريف حجم أعمال المشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يتناسب مع التطورات الاقتصادية بين 100 ألف جنيه (2,087 دولاراً) وحتى 400 مليون جنيه، بالإضافة لإدراج آلية لتوفيق أوضاع المشروعات العاملة بالاقتصاد غير الرسمي، عبر التقدم بطلب للحصول على ترخيص مؤقت خلال مدة سنة من تاريخ العمل بالقانون، مع إمكانية مد هذه المدة بقرار من الوزير المختص.
الاقتصاد الموازي في مصر يقوم عادة بلا تراخيص أو ضرائب ويحرم الخزانة العامة من الإيرادات، وليس هناك رقم رسمي موحد بشأن أرقام القطاع التي تترواح بين نحو 40% و50 %، بحسب إحصائيات غير حكومية.
مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية عبد المنعم السيد أوضح لـ«إرم بزنس»، أن «التعديلات الحكومية المطروحة حالياً خطوة تنظيمة جيدة مع المتغيرات الاقتصادية، وستسهم بالإضافة إلى التيسيرات الضريبية، في فتح صفحات جديدة لمن كان يخفي نشاطه من المحاسبة الضريبية، وهذا سيساعد بشكل مقبول لضم تدريجي للاقتصاد غير الرسمي الذي يوازي حسب تقديرات بين 40% إلى 50% من حجم الاقتصاد المصري».
وأوضح عبد المنعم السيد أن التعديلات «تعزز اندماج المشروعات غير الرسمية في الاقتصاد الرسمي عبر آليات توفيق الأوضاع، وهو ما يوسع قاعدة رواد الأعمال المستفيدين من الخدمات المصرفية والتأمينية، ويساعد في خلق فرص العمل، وزيادة الإنتاجية، ودعم النمو الاقتصادي المستدام».
والعوامل التي تساعد على تقليص واحتواء الاقتصاد غير الرسمي، بحسب عبد المنعم السيد «أهمها أن المواطن يشعر أن الضرائب التي تحصل منه يستفيد منها وأن هناك مكاسب ستعود عليه سواء بالحصول علي تمويل وتسويق جيد لمنتجه داخل وخارج مصر وفرصة للتصدير والحصول على الدعم الفني والتكنولوجي وتسهيل الإجراءات».
من جانبه، أوضح رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي، في حديث مع «إرم بزنس»، أن «الحكومة تتعامل حالياً بأفكار ورؤى خارج الصندوق»، مشدداً في الوقت ذاته على «الحاجة إلى مزيد من التوضيح والقرارات لتحقيق فاعلية أكبر نحو دمج الاقتصاد غير الرسمي في المنظومة الرسمية للدولة».
ولفت الشافعي أن ذلك القطاع «قد يمثل نحو 50% من حجم الاقتصاد الرسمي، ومن المتوقع في حال دمج هذا القطاع أن تتحسن المؤشرات الكلية للناتج المصري، وكذلك كافة المؤشرات المتعلقة بالاقتصاد الوطني».
وفيما يتعلق بقدرة هذا الدمج على إنعاش خزانة الدولة، أكد الشافعي أن ذلك ممكن بالفعل من خلال الضرائب المفروضة، مما سيؤدي إلى تحسن المؤشرات الإيجابية، وبالتالي سيصبح الشكل العام للموازنة العامة للدولة أفضل.
وانتقل الشافعي إلى نقطة جوهرية تتعلق بآليات التنفيذ، مشيراً إلى أن «عملية الترخيص وحدها ليست كافية، بل لابد اليوم من امتلاك قاعدة بيانات»، موضحاً أنه «لكي يتمكن من إحكام السيطرة، فإنه بعد منح الفرصة للدمج، يجب أن تكون لديه بيانات دقيقة حول مخرجات الاقتصاد غير الرسمي وأين تذهب».
وأكد رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، خالد الشافعي أنه «إذا تم إحكام السيطرة على السوق بالكامل، فإنه يمكن إجبار كافة العاملين داخل السوق المصري على الانخراط في الاقتصاد الرسمي عبر محاولة السيطرة وفرض القدرات على منافذ التوزيع وإدخالها تحت منظومة متكاملة».
ولفت الشافعي إلى أن «التعديلات الحالية تقدم ميزة وإيجابيات للراغبين في الدخول مباشرة إلى الاقتصاد الرسمي لكن يجب أن نضع آلية التعامل مع من ليس لديهم الرغبة في ذلك».
وشدد على «ضرورة وجود آلية ومظلة لإحكام حرية تداول السلع والمنتجات داخل الأسواق، لفرض عقوبات وإحكام السيطرة على الممتنعين»، مؤكداً أنه في «حال توافر قاعدة بيانات كاملة، يمكن إحكام السيطرة مع القطاعين الرسمي وغير الرسمي، ليعمل الجميع في منظومة متكاملة نحو تحقيق الهدف الأسمى، ألا وهو تحسن المؤشرات الكلية لصالح الاقتصاد المصري، ومزيد من التكامل لتحقيق أهداف الموازنة العامة للدولة».
وفي نوفمبر 2025، كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن استحواذ القطاع غير الرسمي على 50.7% من إجمالي المنشآت الاقتصادية، وفقاً لبيانات التعداد الاقتصادي، مقابل 49.3% للقطاع الرسمي.
ويضم الاقتصاد غير الرسمي نحو مليوني منشأة، تشكل 53% من إجمالي المنشآت الاقتصادية في البلاد، ويعمل فيها 4 ملايين عامل، ما يمثل 31.4% من إجمالي العمالة، كما تشير بيانات التعداد الاقتصادي لعام 2018.
وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن معظم هذه المنشآت صغيرة ومتناهية الصغر؛ وتصل نسبة ما يزيد رأسمال المستثمَر فيها على 100 ألف جنيه إلى 81%.