
لطالما كانت الولايات المتحدة في قلب النظام المالي العالمي، مع اعتماد العالم على الدولار الأميركي كأداة أساسية للتداول والاحتياط. يلجأ المستثمرون الأفراد والشركات الاستثمارية إلى الدولار كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين، فيما تحتفظ الحكومات والبنوك المركزية بالعملة الأميركية للحفاظ على استقرار عملاتها وإدارة المخاطر الاقتصادية. حتى السلع الأساسية مثل النفط تُسعر بالدولار، ما منح واشنطن مزايا هائلة، منها القدرة على الاقتراض بتكلفة منخفضة، واستخدام النظام المالي العالمي كأداة للسياسة الخارجية.
ورغم هذه القوة الاقتصادية، يكمن عامل غير ملموس لكنه جوهري في قلب النظام: «الثقة». الدول والمؤسسات المالية تحتفظ بالدولار وتتداول به وتقترض به لأنها تثق بالولايات المتحدة كحامٍ للنظام الدولي القائم على القواعد، وتثق بالتزامها بحماية الحقوق، واحترام العقود، وإدارة النظام المالي العالمي خلال الأزمات.
النظام القائم على الدولار كان منذ سنوات موضع انتقاد من قبل بعض الدول والمؤسسات، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية 2007–2009، عندما واجهت الاقتصادات الناشئة تداعيات قوية لسياسات الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، وازداد تعرضها للديون المقومة بالدولار، كما شهد العالم توسعاً في استخدام العقوبات المالية كأداة للسياسة الأميركية، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي حول الاقتصاد العالمي 2024.
في هذه الفترة، بدأت دول مثل الصين وروسيا والهند ببناء هياكل مالية بديلة تشمل أنظمة دفع جديدة وخطوط تبادل عملات وجهوداً لتعزيز استخدام عملاتها على المستوى الدولي، وفق بيانات حديثة للبنك الدولي، بنسبة نمو استخدام عملات بديلة تجاوزت 12% خلال السنوات الخمس الماضية. وما بدأ كبحث تدريجي عن حماية جزئية من النفوذ المالي الأميركي بدأ يخلق شروخاً تدريجية في النظام القائم على الدولار.
ويشير محللون اقتصاديون إلى أن السياسات الحالية للإدارة الثانية لترامب، مثل الرسوم الجمركية ومحاولات تقويض المؤسسات، تمثل تحوّلاً واضحاً في دور الولايات المتحدة في النظام الاقتصادي الدولي الليبرالي، وفق ما نشرته وكالة رويترز في نوفمبر 2025.
التوقعات السابقة بانهيار الدولار كانت مبكرة، لكن تقارير حديثة للبنك الدولي وصندوق النقد تشير إلى أن تراجع الثقة ببعض السياسات الأميركية أصبح واقعاً يجب أخذه على محمل الجد، مع تقدير أن نسبة البنوك الأجنبية التي قلصت احتياطياتها بالدولار تجاوزت 8% في العام الحالي.
وما نشهده اليوم ليس انهياراً فورياً للقوة المالية الأميركية، بل يُلاحظ الباحثون بداية انتقال تدريجي نحو نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب وأكثر تشتتاً وأقل توقعاً، وفق تحليلات اقتصادية من معهد التمويل الدولي لعام 2025.
ثلاثة عوامل رئيسية تبرز في هذا السياق:
إدارة ترامب أعادت صياغة التجارة العالمية كنظام معاملات مباشر، حيث يتعين على الدول شراء الأوراق المالية الأميركية للوصول إلى السوق الأميركية، بدلًا من اعتبار الولايات المتحدة الضامن للأسواق المفتوحة، وفق تصريحات مسؤولين أوروبيين لبنك الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2025.
التخفيضات الضريبية والإنفاق الكبير المتوقع من إدارة ترامب سيؤدي إلى عجز مستمر يقارب 6% من الناتج المحلي، ما رفع الدين الأميركي إلى مستويات قياسية، ودفع بعض البنوك المركزية الأجنبية لتقليل احتياطياتها بالدولار، بحسب تقرير وزارة الخزانة الأميركية.
تهديدات ترامب المتكررة بإقالة رئيس الاحتياطي الفيدرالي ومسؤولين آخرين تضع مصداقية النظام النقدي الأميركي موضع شك. الاستقلالية المصرفية تعد علامة على حسن إدارة السياسة النقدية، وتقويضها يثير تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي، وفق تقييم نشره معهد التمويل الدولي في نوفمبر 2025.
معاً، تؤثر هذه التطورات على الركيزة الأساسية لهيمنة الدولار، وهي الثقة الدولية بقدرة الولايات المتحدة على التصرف بمسؤولية واستقرار، وفق تحليلات خبراء الاقتصاد بنسبة إجماع 75% على تراجع الثقة.
حتى الآن، لا توجد عملة واحدة جاهزة لتحل محل «الدولار». «اليوان الصيني» لا يزال يفتقر إلى أسواق رأسمالية مفتوحة وحماية قانونية قوية، و«اليورو» يفتقر إلى سلطة مالية موحدة، بينما العملات الرقمية الجديدة لا تزال تجريبية أو مضاربة. ومع ذلك، يشهد العالم تشتتًا متزايدًا في النظام المالي، فالدول تنوع احتياطياتها لتشمل الذهب وأصولًا غير الدولار، وتنتشر أنظمة دفع إقليمية، ويتراجع الإقراض بالدولار للدول الناشئة. حتى تسعير السلع الأساسية بدأ يشهد عملات بديلة من «الدولار».
وتدعم البيانات الرسمية هذا التحول التدريجي، حيث أظهر مسح صندوق النقد الدولي (COFER) للربع الثاني من 2025 أن حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية تراجعت إلى 56.32% بعد أن كانت 57.79% في الربع السابق، فيما ارتفعت حصة اليورو من 19.8% إلى نحو 20.1%. كما أظهرت بيانات الربع الأول من العام نفسه تراجعاً مماثلاً إلى نحو 57.7% مقابل نهاية 2024، ما يعكس شروع بعض البنوك المركزية حول العالم في إعادة تقييم اعتمادها على الدولار، ولو تدريجياً. حتى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا يشجعون البنوك على تقليل التمويل بالدولار، وفق بيانات البنك المركزي الأوروبي لعام 2025.
يشير خبراء إلى أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة انتقالية، مع تراجع الهيمنة المطلقة للدولار، فيما لم يظهر بعد نظام مالي بديل مكتمل، وتقدّر نسبة التجارة العالمية التي بدأت تعتمد على عملات بديلة بين 10% و15%.