
يدخل لبنان عامه السادس من الانكماش الاقتصادي الحاد، وسط انهيار مالي غير مسبوق انعكس مباشرة على مستويات المعيشة والأمن الغذائي. ومع تراجع دور مؤسسات الدولة وعجزها عن توفير شبكات حماية فعالة، ظهرت مبادرات مجتمعية كآليات بديلة لدعم الأسر الفقيرة والمتضررة.
ومن بين هذه المبادرات، برزت فكرة «براد الحي» كنموذج يعكس كيف يمكن للحلول المحلية البسيطة أن تتحول إلى رافعة اجتماعية في مواجهة الانهيار الاقتصادي الشامل. تقوم الفكرة على وضع ثلاجات مجتمعية متاحة لتبادل الفائض من الطعام بين السكان، بما يوفر مصدراً مستمراً للغذاء للأسر الأكثر تضرراً.
وصف «البنك الدولي» الأزمة المالية اللبنانية، التي بدأت أواخر عام 2019، بأنها من بين أسوأ ثلاث أزمات اقتصادية عرفها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، إذ فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها، ودخلت البلاد في حالة تضخم مفرط خاصة في أسعار السلع الغذائية الأساسية.
ووفقاً لـ«تقييم وضع الفقر والإنصاف في لبنان 2024» الصادر عن «البنك الدولي»، ارتفعت نسبة الأفراد تحت خط الفقر من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022. كما أدت الصدمات المتتالية، من جائحة «كوفيد-19»، إلى انفجار «مرفأ بيروت» في أغسطس 2020، وأخيراً النزاع المسلح بين إسرائيل و«حزب الله»، إلى تعميق الانكماش الاقتصادي. ويُقدّر «البنك الدولي» أن الخسائر المادية والاقتصادية الناجمة عن النزاع الأخير بلغت نحو 8.5 مليار دولار.
في عام 2019، أطلقت الناشطة نايلا الصايغ أول «براد حي» في منطقة الأشرفية ببيروت. بدأت المبادرة بوضع ثلاجة وحاويات بلاستيكية لتجميع الفائض من الطعام وتوزيعه على الأسر غير القادرة على تحمّل كلفة الوجبات اليومية. وقد انطلقت المبادرة كحل بسيط وعملي أمام تصاعد معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى شبكة منظمة.
وبحلول عام 2024، توسعت المبادرة لتشمل ثلاث نقاط تشغيل موزعة بين بيروت وجونية، وأصبحت تؤمّن في المتوسط نحو 600 وجبة يومياً، أي ما يعادل أكثر من 18 ألف وجبة شهرياً. وتُقدَّر كلفة التشغيل بين 15 و20 ألف دولار شهرياً، تُغطى بمعظمها من خلال التبرعات الفردية عبر الإنترنت، في انعكاس مباشر على اعتماد المبادرات المحلية على التمويل الأهلي في غياب أي دعم رسمي.
تعتمد المبادرة في آليات عملها على مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في إعادة توزيع الفائض الغذائي القادم من الأسر والمطاعم والمؤسسات المحلية، عبر شبكة تضم ما يقارب 70 شريكاً يساهمون بانتظام. أما الثاني فيرتكز على تحضير وجبات جاهزة في مطبخ ميداني مركزي، بما يضمن استمرارية التوزيع اليومي حتى في فترات تراجع حجم التبرعات المباشرة.
يدير المبادرة فريق أساسي يضم نحو 12 فرداً يتولون مهام الإدارة والتشغيل اليومي، فيما ينضم متطوعون إضافيون خلال الفترات التي يشهد فيها الطلب ارتفاعاً ملحوظاً. ويُلزم المستفيدون بإعادة الحاويات نظيفة بعد الاستخدام، وهو نظام يرسّخ مبدأ المسؤولية المشتركة ويحد من الهدر الغذائي، مما يعزز استدامة العملية التشغيلية بتكلفة منخفضة نسبياً.
ولم تقتصر أنشطة المبادرة على الإغاثة المباشرة، بل توسعت لتشمل القطاع التعليمي. فمنذ عام 2022، بدأت بتأمين نحو 700 وجبة مدرسية أسبوعياً لطلاب ثلاث مدارس رسمية تقع ضمن نطاق عملها، وذلك بالتنسيق مع وزارتي الشؤون الاجتماعية والتربية.
تُظهر بيانات «البنك الدولي» أن حجم الإنفاق العام على برامج المساعدات الاجتماعية في لبنان لا يتجاوز 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى متدنٍ مقارنة بمتوسط يبلغ نحو 2.5% في الدول متوسطة الدخل. ويعكس هذا الفارق فجوة كبيرة في قدرة الدولة على تمويل شبكات حماية اجتماعية فعّالة قادرة على مواجهة الأزمات المتكررة.
وفي هذا السياق من العجز المالي والمؤسسي، برزت المبادرات المحلية كبدائل عملية ومرنة. وعلى عكس برامج المساعدات الدولية التي تتطلب تمويلاً خارجياً ضخماً وآليات بيروقراطية معقدة، تعتمد مبادرة «برادات الحي» على نموذج لامركزي منخفض الكلفة، قائم على إشراك المجتمع المحلي وإعادة توجيه الفائض الغذائي.
يعتمد لبنان على الاستيراد لتأمين أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، ما يجعله من أكثر الاقتصادات هشاشة أمام تقلبات أسعار الصرف والتضخم العالمي في السلع الغذائية. ومع الانهيار الحاد لليرة اللبنانية وارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية، تراجعت القدرة الشرائية للأسر بشكل غير مسبوق، وهو ما دفع شريحة واسعة من السكان إلى ما دون خط الفقر الغذائي.
وقد أسهمت مبادرة «البراد الحي» في إعادة توجيه الفائض الغذائي إلى قنوات توزيع منظَّمة، بما يعالج ثنائية الهدر الغذائي والعجز الاستهلاكي في آن واحد. ورغم أن نطاقها ما يزال متواضعاً على المستوى الوطني، إذ تخدم بضعة آلاف من الأفراد شهرياً، إلا أن التجربة أثبتت قدرة الحلول المجتمعية الصغيرة على تخفيف الضغط عن الوكالات الإنسانية وتقليص نسب الفاقد الغذائي، والتي قدّرتها منظمة الأغذية والزراعة (FAO) بما يقارب 30% من إجمالي الغذاء في لبنان.
أظهرت المبادرة قدرة عالية على المرونة التشغيلية في مواجهة الأزمات الكبرى. فبعد انفجار «مرفأ بيروت» عام 2020، تحولت بسرعة إلى مصدر دعم غذائي للنازحين وعمال الإغاثة. وخلال النزاع الأخير، وسّعت نشاطها لتأمين وجبات لمراكز الإيواء ومحطات الصليب الأحمر والدفاع المدني، ما عزز دورها كخط إسناد مباشر في حالات الطوارئ.
وتكشف هذه التجربة أن شبكات المجتمع المحلي لا تقتصر وظيفتها على معالجة الفقر اليومي، بل تؤدي دوراً اقتصادياً غير رسمي في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وتوفير خدمات أساسية في ظل عجز الدولة. فهي بذلك تمثل آلية استجابة سريعة، منخفضة الكلفة، ومرتكزة على تعبئة الموارد المحلية، ما يجعلها مكملة، بل أحياناً بديلة، للسياسات العامة الغائبة.
يتمثل التحدي الأكبر أمام المبادرة في «الاستدامة المالية». فهي تعتمد على تبرعات فردية شهرية لتغطية تكاليف تشغيل تصل إلى نحو 20 ألف دولار، وهو نموذج تمويلي هشّ يعرضها لمخاطر جدية عند أي تراجع في التدفقات النقدية. وتزيد الضغوط مع تفاقم معدلات التضخم، التي ترفع بدورها كلفة المشتريات والخدمات التشغيلية، في وقت يحد فيه عدم الاستقرار السياسي والأمني من إمكانيات التوسع أو التخطيط طويل الأمد.
ومع ذلك، نجحت المبادرة في الحفاظ على مستوى تشغيلي ثابت على مدار خمس سنوات دون تسجيل أي حالة تسمم غذائي، وهو ما يعكس التزاماً صارماً بمعايير السلامة الغذائية وجودة العمليات، رغم محدودية الموارد والبيئة الاقتصادية القاسية.
أدت الأزمة اللبنانية إلى بروز استراتيجيات بقاء لامركزية، تراوحت بين التعاونيات المحلية لتأمين الوقود وشبكات الادخار غير الرسمية التي حلت محل النظام المصرفي المتعثر. وفي هذا الإطار، تمثل مبادرة «براد الحي» نموذجاً واضحاً لهذا التحول، إذ تقدم درساً عملياً للجهات الدولية حول قدرة الاقتصادات الهشة على إنتاج حلول محلية منخفضة الكلفة ومرتفعة الكفاءة، بعيداً عن القنوات الرسمية التقليدية.
في المقابل، يواصل كل من «البنك الدولي» و«صندوق النقد الدولي» التشديد على أن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة، تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتفعيل سياسات الضبط المالي. غير أن المبادرات المجتمعية من طراز «براد الحي» تحقق مكاسب آنية وملموسة، ما يجعلها بمثابة شبكات أمان موازية تعوض، ولو جزئياً، بطء مسار الإصلاحات الكبرى.