
أصبحت إعادة إحياء شبكة السكك الحديدية الوطنية أولوية استراتيجية للأردن، في إطار رؤية شاملة للنقل الحديث تهدف إلى ربط المدن الرئيسية بالموانئ وتعزيز مكانة المملكة كمحور لوجستي إقليمي. المشروع، الذي طُرح منذ عقود ضمن رؤية التحديث الاقتصادي للبلاد، تأخر على الأرض بسبب محدودية التمويل واستكمال الدراسات، قبل أن تعود الحكومة مؤخراً لإطلاق الخطط الوطنية وتحديد الأولويات التنفيذية ضمن مراحل واضحة.
ويأتي هذا التوجه في ظل تحرك إقليمي متسارع، إذ تنفذ دول الخليج مشروع «السكك الخليجية» لربط موانئها ومدنها الصناعية، فيما أطلق العراق مشروع «طريق التنمية» لمد خط حديدي يصل موانئ البصرة بالحدود التركية، ضمن رؤية لتحويل البلاد إلى ممر بري استراتيجي للتجارة بين الخليج وأوروبا.
شهد الأردن مؤخراً عقد اجتماعات على مستوى اللجان الفنية المشتركة مع سوريا وتركيا، حيث تم بحث سبل تعزيز التعاون في النقل والتجارة وتسهيل حركة البضائع والمسافرين بين الشرق والغرب. وأكدت هذه اللقاءات أهمية إنشاء شبكات سكك حديدية تربط موانئ شرق المتوسط بالخليج العربي عبر الأراضي الأردنية، بما يعزز التكامل الاقتصادي ويختصر زمن النقل وكلفة الشحن.
تسعى الحكومة من خلال «الشبكة الوطنية للسكك الحديدية» إلى بناء منظومة نقل تربط المدن الأردنية من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، مع امتدادات مستقبلية باتجاه الحدود السعودية والعراقية والسورية. ويهدف المشروع إلى تخفيض كلف النقل بما يصل إلى 30% مقارنة بالنقل البري، وتقليل الانبعاثات الكربونية، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية والصادرات الأردنية نحو الموانئ والأسواق الإقليمية.
ويبحث الأردن أيضاً في إنشاء قطار خفيف يربط الزرقاء بعمان ويمتد إلى مطار الملكة علياء الدولي، لتخفيف الازدحامات المرورية وتسهيل حركة الركاب، وهو مشروع حضري متكامل يتقاطع مع الرؤية العامة لتطوير النقل المستدام داخل المملكة.
أمين عام الاتحاد العربي للنقل البري، مالك حداد، أكد لـ«إرم بزنس» أن تطوير القطاع السككي لم يعد خياراً بل ضرورة استراتيجية، مشيراً إلى أن الخط الحجازي الحالي شبه متوقف ويقتصر على نقل الفوسفات بين العقبة والأبيض، بينما يعتمد النقل الداخلي شبه كلياً على الطرق البرية.
وأضاف أن الاستراتيجية الوطنية تقوم على محورين: إعادة تأهيل الخطوط القائمة وربطها إقليمياً، وبناء شبكة حديثة تربط عمان بالزرقاء والمفرق شمالاً وبمعان والعقبة جنوباً، مع النظر في الربط المستقبلي مع العراق والسعودية وربما فلسطين ومصر.
وأوضح حداد أن تطوير الشبكة يتطلب شراكة فعالة بين القطاعين العام والخاص بنظام (BOT)، وتحديث التشريعات، وتقديم حوافز للمستثمرين، مع وضع معايير صارمة للسلامة وتسهيلات جمركية للشحن. وقال: «الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية هائلة، إذ تقلل تكاليف النقل بنسبة لا تقل عن 50%، وتعزز التجارة من خلال ميناء العقبة، وتجذب الاستثمارات، وتخلق فرص عمل جديدة، وتطور السياحة الداخلية، وتحمي الطرق من أضرار الشاحنات الثقيلة، وتقلل الانبعاثات والتلوث».
وزير النقل الأسبق، جميل مجاهد، شدّد على أن السكك الحديدية حجر زاوية في رؤية التحديث الاقتصادي، وتمثل نقلة نوعية ذات أبعاد استراتيجية واقتصادية وبيئية واجتماعية، وأنها محرك أساسي للتنمية المستدامة. وأضاف لـ«إرم بزنس» أن المشروع يعمل على تأسيس تجارة ونقل للبضائع والمواد الخام وربط المناطق الصناعية بالموانئ والحدود، ما يعزز تنافسية الصادرات الأردنية في الأسواق العالمية ويحول الأردن إلى مركز لوجستي إقليمي بامتياز.
رغم الوضوح الاستراتيجي للمشروع، فإن التمويل يشكل تحدياً كبيراً. التقديرات الرسمية تصل إلى نحو 3 مليارات دولار، بينما لم تتجاوز المخصصات الحكومية للعام المقبل 1.5 مليون دينار، معظمها مخصص لدراسات واستشارات وشراء أراضٍ، حيث بلغت قيمة الاستملاكات نحو 450 مليون دينار.
وتبرز أهمية الشراكات الإقليمية، خصوصاً بعد توقيع الأردن اتفاقيات مع الإمارات لإنشاء مشروع استثماري بقيمة 2.3 مليار دولار لربط ميناء العقبة بمناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي، على أن يبدأ التشغيل الفعلي عام 2030.
المشروع سيمتد من ميناء الفوسفات وميناء العقبة الصناعي إلى وادي اليتم، ثم مسارين: الأول نحو الشيدية، والثاني نحو غور الصافي مروراً بوادي عربة، لربط أهم مواقع التعدين بالموانئ الصناعية، ما يسهم في رفع الكفاءة اللوجستية والتصديرية وتوفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في قطاعات النقل والتعدين والخدمات المرتبطة بها.
تؤكد التجارب العالمية أن الاستثمار في السكك الحديدية يحفز النمو الاقتصادي ويزيد كفاءة القطاعات الإنتاجية. والأردن، من خلال إعادة فتح ملف النقل الحديدي، يهدف إلى بناء منظومة متكاملة تربط المدن بالموانئ، وتعيد تشكيل خريطة التجارة الإقليمية بما يخدم الاقتصاد الوطني ويواكب التحولات العالمية.
فالسكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل، بل استثمار طويل المدى وركيزة أساسية لنمو الاقتصاد الأردني وقدرته على المنافسة في عالم يعتمد على السرعة والكفاءة والتكامل.