
تتجه حكومات إفريقية، من نيجيريا إلى كينيا وجنوب إفريقيا، إلى اتخاذ إجراءات جديدة للتخفيف من تداعيات ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن الحرب مع إيران، في ظل استمرار الضغوط على تكاليف المعيشة وتزايد المخاوف من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى الغذاء والنقل.
وبحسب تقرير لوكالة «بلومبرغ»، اليوم الجمعة، دفعت الحرب في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى مستويات بلغت 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تقلص طاقات التكرير المتاحة، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار البنزين والديزل في عدد من الدول الأفريقية.
وكانت حكومات القارة قد لجأت مع بداية الحرب إلى إجراءات طارئة، شملت تعليق بعض الضرائب وتأجيل الزيادات المقررة على أسعار الوقود الخاضعة للتنظيم الحكومي، قبل أن تبدأ حالياً اعتماد آليات إضافية لاحتواء الضغوط على المستهلكين.
أعلنت نيجيريا تطبيق آلية جديدة أطلقت عليها اسم «تعديل الأسعار»، تهدف إلى توزيع أثر ارتفاع تكاليف الوقود على فترات زمنية أطول، بدلاً من تمرير الزيادات بالكامل إلى المستهلكين بصورة فورية.
وأوضح وزير المالية النيجيري تايو أويديل، خلال تصريحات للصحفيين في العاصمة أبوجا، أمس الخميس، أن الآلية تسمح بتأجيل جزء من الزيادة السعرية، على أن يجري استرداد المبالغ المؤجلة عندما تتراجع الأسعار العالمية.
وأكد الوزير أن الإجراء لا يمثل عودة إلى دعم الوقود أو فرض رقابة مباشرة على الأسعار، وإنما يهدف إلى تخفيف حدة التقلبات السعرية بمرور الوقت.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في نيجيريا، بعدما ألغى الرئيس بولا تينوبو دعم الوقود عقب توليه السلطة عام 2023، ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية استهدفت تحسين المالية العامة وتعزيز ثقة المستثمرين.
وقالت كليمنتين والوب، مديرة شؤون إفريقيا جنوب الصحراء لدى شركة «هورايزون إنغيج» لاستشارات المخاطر السياسية، إن إلغاء الدعم كان من بين الإصلاحات التي أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين وتحسين علاقات نيجيريا مع المؤسسات المالية الدولية.
وأضافت أن القرار الجديد يعكس قلق الحكومة المتزايد بشأن تكاليف المعيشة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في يناير المقبل، وحاجتها إلى إظهار استجابتها للضغوط التي يواجهها المستهلكون نتيجة ارتفاع أسعار الوقود.
وأشارت إلى أن «هذه الخطوة تحمل حساسية سياسية بالنسبة إلى تينوبو، الذي كان إلغاء دعم الوقود أحد أول قراراته بعد توليه الرئاسة». وفي كينيا، تسعى الحكومة إلى الحصول على موافقة البرلمان لخفض ضريبة القيمة المضافة المفروضة على الوقود إلى النصف، من 16% حالياً إلى 8%.
وتهدف الخطوة إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين في مواجهة الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة، خصوصاً مع تأثير تكاليف النقل في أسعار السلع الأساسية.
وتشكل أسعار الوقود قضية حساسة في العديد من الاقتصادات الأفريقية، نظراً إلى الوزن الكبير لتكاليف النقل في ميزانيات الأسر، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على أسعار المواد الغذائية.
كما لجأت بعض الحكومات إلى إبرام اتفاقيات توريد مع شركات تجارة الطاقة أو الدول المصدرة للنفط، لضمان استمرار وصول الشحنات وتقليل مخاطر نقص الإمدادات.
في المقابل، تواجه جنوب أفريقيا ضغوطاً متزايدة بعد انتهاء العمل بإجراءات الإعفاء الضريبي المؤقتة التي أقرتها الحكومة مع بداية الحرب. وكانت بريتوريا قد خفضت الضرائب المفروضة على الوقود لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار، لكنها حددت مدة الإجراء بـ3 أشهر انتهت في يونيو الماضي.
ورفعت جنوب إفريقيا أسعار الوقود بالتجزئة بنسبة 12% خلال الأسبوع الجاري، لتصل إلى مستوى قياسي جديد، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة العالمية. وأسهمت زيادة أسعار الوقود في دفع معدل التضخم في البلاد إلى 4.4%، مقارنة مع 3% قبل اندلاع الحرب.
وأدت الضغوط التضخمية إلى دفع البنك المركزي في جنوب إفريقيا إلى رفع أسعار الفائدة مرتين حتى الآن، في محاولة للحد من تسارع ارتفاع الأسعار.
وتعكس هذه التطورات التحديات التي تواجه الاقتصادات الإفريقية، إذ تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ارتفاع التضخم، فيما قد يؤدي تشديد السياسة النقدية إلى زيادة أعباء الاقتراض على الشركات والأسر.
وفي زيمبابوي، اتخذت السلطات خطوة مختلفة، إذ خفضت الخميس سعر البنزين بنسبة 0.5%، ليصل إلى 2.05 دولار للتر.
وتعكس هذه الإجراءات تفاوت السياسات التي تتبعها الحكومات الإفريقية للتعامل مع ارتفاع أسعار الطاقة، بين خفض الضرائب وتعديل آليات التسعير والتدخل المباشر في الأسعار.
وتواجه دول القارة تحدياً مزدوجاً يتمثل في حماية المستهلكين من ارتفاع تكاليف الوقود، مع تجنب زيادة الضغوط على الموازنات العامة نتيجة الإعفاءات الضريبية أو إجراءات الدعم.
ومع استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتقلب أسعار النفط العالمية، تتزايد أهمية هذه التدابير بالنسبة إلى الحكومات الإفريقية، خصوصاً أن ارتفاع أسعار الوقود لا يقتصر تأثيره على محطات التعبئة، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار الغذاء، ما يضاعف الضغوط على القدرة الشرائية للأسر.