
بدأت تداعيات اضطراب أسواق الطاقة العالمية الناتج عن الحرب على إيران تنعكس بوضوح على اقتصادات جنوب آسيا، حيث تواجه عدة دول في المنطقة نقصاً حاداً في إمدادات الغاز، ما أجبر حكومات وشركات وقطاعات خدمية على اتخاذ إجراءات استثنائية لتقليل الاستهلاك.
وبحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن الأزمة دفعت المطاعم في الهند إلى التوقف عن إعداد أطعمة تتطلب استهلاكاً كبيراً للغاز مثل القلي، في وقت بدأت فيه حكومات المنطقة تطبيق سياسات تقشفية للحفاظ على الإمدادات المتبقية.
تعتمد دول جنوب آسيا بشكل كبير على واردات الغاز من دول الخليج، ما جعلها من أكثر المناطق عرضة لتداعيات اضطراب الإمدادات المرتبط بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وتستورد الهند، ثاني أكبر مستورد للغاز النفطي المسال في العالم، نحو 60% من احتياجاتها من دول مثل الإمارات وقطر والكويت والسعودية. إلا أن اضطراب حركة الإمدادات في المنطقة تسبب في تراجع الكميات المتاحة، في وقت لا تمتلك فيه نيودلهي مخزونات كبيرة تكفي لفترات طويلة.
ومع تزايد المخاوف من نقص الغاز، بدأت تقارير محلية تتحدث عن عمليات تخزين مفرطة للأسطوانات وارتفاع الأسعار في السوق السوداء، بينما سارع المستهلكون إلى شراء كميات إضافية تحسباً لمزيد من الارتفاعات.
كانت المطاعم من أوائل القطاعات التي شعرت بحدة الأزمة، إذ يعتمد كثير منها على أسطوانات الغاز في الطهي اليومي.
وقد نصحت الرابطة الوطنية للمطاعم في الهند أعضاءها، الذين يتجاوز عددهم نصف مليون مطعم، بتقليل ساعات العمل والتوقف عن إعداد الأطعمة التي تحتاج إلى طهي بالزيت لوقت طويل، إضافة إلى استخدام أغطية الطهي لتقليل استهلاك الطاقة.
وفي مدينة مومباي، حذرت جمعية الفنادق والمطاعم الهندية من أن نصف الفنادق تقريباً قد تضطر إلى الإغلاق إذا استمرت الأزمة، مشيرة إلى أن نحو خُمس المنشآت الفندقية أوقف بالفعل نشاطه مؤقتاً بسبب نقص الإمدادات.
كما لجأت بعض المطاعم إلى استخدام بدائل أكثر تلويثاً مثل الفحم أو الحطب أو الكيروسين لتشغيل المطابخ، في محاولة لمواصلة العمل.
انعكست الأزمة أيضاً على تكاليف المعيشة في المدن الكبرى، ففي بعض المناطق الهندية، تضاعف سعر أسطوانة الغاز تقريباً في السوق السوداء مقارنة بسعرها الرسمي.
ويقول بائع الشاي في نيودلهي تريناث ماهتو للصحيفة إن تكلفة الغاز الذي يستخدمه لإعداد الشاي ارتفعت بشكل كبير خلال أيام قليلة، ما دفعه إلى تقليل كمية الشاي المقدمة للزبائن بدلاً من رفع الأسعار.
ويعكس ذلك حجم الضغوط التي تواجهها الأنشطة الصغيرة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة.
لم تقتصر الأزمة على الهند، إذ امتدت آثارها إلى دول أخرى في جنوب آسيا.
في بنغلادش، التي تعتمد على الواردات لتأمين نحو 95% من احتياجاتها من الطاقة، فرضت الحكومة إجراءات تقشفية شملت تقنين استخدام الغاز والكهرباء في المؤسسات العامة.
كما قررت السلطات إغلاق الجامعات الحكومية والخاصة مؤقتاً وتقديم موعد عطلة عيد الفطر في محاولة لخفض استهلاك الطاقة.
وفي الوقت نفسه، أوقفت الحكومة إنتاج الأسمدة في بعض المصانع لمدة أسبوعين لتوجيه إمدادات الغاز المحدودة إلى محطات توليد الكهرباء وتجنب انقطاع واسع في التيار.
أما في باكستان، فقد أعلنت الحكومة إجراءات مشابهة للحفاظ على الموارد المحدودة من الطاقة.
فقد تم اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام في بعض الدوائر الحكومية، إضافة إلى إغلاق المدارس لفترة مؤقتة وتحويل التعليم الجامعي إلى الإنترنت لتقليل استهلاك الكهرباء والغاز.
وتعتمد باكستان أيضاً بشكل كبير على واردات الغاز الطبيعي المسال، إذ تأتي معظم شحناتها من قطر، ما يجعلها عرضة لأي اضطرابات في الإمدادات.
ويرى محللون في قطاع الطاقة أن الأزمة قد تتفاقم إذا استمرت الاضطرابات في إمدادات الغاز لفترة أطول، خصوصاً أن العديد من دول جنوب آسيا لا تمتلك احتياطيات كبيرة من الوقود.
كما أن الطلب المرتفع على الطاقة في هذه الاقتصادات سريعة النمو يجعل أي نقص في الإمدادات يتحول سريعاً إلى أزمة تمس حياة السكان والقطاعات الاقتصادية على حد سواء.
وفي ظل استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تبقى أسواق الطاقة العالمية في حالة ترقب، بينما تحاول حكومات جنوب آسيا احتواء الأزمة عبر إجراءات تقشفية وتدابير طارئة لتأمين الإمدادات الأساسية.