
تشهد سوق المعادن النادرة تحولاً كبيراً، حيث يتدفق رأس المال الحكومي والخاص بمليارات الدولارات إلى شركات المعادن النادرة في الولايات المتحدة وحلفائها.
وتعكس هذه الطفرة في الاستثمارات، التي بدأت بعد فرض الصين قيوداً على صادرات المعادن النادرة، أملاً متزايداً في بناء سلسلة إمداد مستقلة عن الصين للمواد الحيوية المستخدمة في التصنيع التكنولوجي، بدءاً من الهواتف الذكية وصولاً إلى السيارات الكهربائية، وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال».
وتجدر الإشارة إلى أن السبب وراء هذا التدفق الكبير من الاستثمارات هو فرض الصين قيوداً على صادرات المعادن النادرة في أبريل 2025، حيث أدى ذلك إلى تعطل الصناعات العالمية، وتوقفت مصانع السيارات الأميركية عن الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار المعادن النادرة، بينما سعت الشركات التكنولوجية إلى إيجاد مصادر بديلة لهذه المواد الحيوية.
وكشفت هذه الخطوة عن قوة الهيمنة الصينية على سوق المعادن النادرة، حيث تمتلك الصين نحو 80% من الإنتاج العالمي، ما يمنحها قوة ضغط كبيرة في النزاعات التجارية.
وتسارعت الجهود من قبل الوكالات الحكومية في الولايات المتحدة والمستثمرين الخاصين، لإنشاء سلسلة إمداد مستقلة للمعادن النادرة رداً على ذلك.
بدوره، قال سكوت بيسينت، وزير الخزانة الأميركي، إنه من المتوقع أن تتناول المحادثات التجارية مع الصين التخفيف من بعض القيود على المعادن النادرة، رغم أن العديد من المحللين يعتقدون أن القضية لن تُحل في القريب العاجل.
كما حصلت شركات المعادن النادرة في الولايات المتحدة وحلفائها في أعقاب فرض الصين للقيود، على استثمارات ضخمة.
وأعلنت مجموعة «أوريون ريسورس بارتنرز» المتخصصة في المعادن الأسبوع الماضي عن إنشاء تحالف استثماري بقيمة 1.8 مليار دولار، بدعم من رأس المال الخاص وبعض التمويل الحكومي الأميركي.
ويهدف هذا التحالف إلى تأمين المعادن الحيوية اللازمة للقطاعات الدفاعية والصناعية، ما يعكس مساعي أوسع لبناء سلسلة إمداد بديلة للمعادن النادرة.
وفي خطوة مماثلة، أعلنت «جيه بي مورغان تشيس» عن خطط لاستثمار 10 مليارات دولار في الشركات العاملة في صناعات الأمن القومي، بما في ذلك شركات المعادن النادرة.
ويعد الاستثمار الأول في هذه المبادرة هو تخصيص 75 مليون دولار لشركة «بيربيتو ريسورس»، وهي شركة تعدين مقرها في ولاية أيداهو والمتخصصة في إنتاج معدن الأنتيمون الذي تهيمن عليه الصين.
في الوقت نفسه، خصصت «بنك التصدير والاستيراد الأميركي» 2.2 مليار دولار لتمويل مشروعات المعادن النادرة في أستراليا، في إشارة إلى تعميق التعاون مع حلفاء الولايات المتحدة لتأمين مصادر بديلة.
كما أسهم هذا التدفق الكبير من الاستثمارات في إحياء قطاع المعادن النادرة في الغرب، إذ تصدرت شركة «إم بي ماتيريالز» الأميركية المشهد، حيث شهدت الشركة، التي تدير منجم جبل باس في كاليفورنيا، ارتفاعاً كبيراً في سعر سهمها، ليصل إلى نحو أربعة أضعاف قيمته هذا العام، ما رفع قيمتها السوقية إلى حوالي 12 مليار دولار.
فيما رفعت شركة «ليناس رير إيرثز» الأسترالية 500 مليون دولار من المستثمرين في أغسطس، مع مضاعفة سعر سهمها ثلاث مرات هذا العام.
ويمثل هذا التدفق في رأس المال تحولا واضحاً في القطاع، حيث كان المنتجون الغربيون يواجهون تحديات كبيرة في مواجهة شركات التعدين الصينية المدعومة من الدولة، والتي كانت تسيطر على السوق بفضل قدرتها على تقديم المعادن بأسعار منخفضة للغاية.
ولكن، غيرت القيود الصينية الأخيرة المشهد بشكل جذري، وأظهرت ضرورة تقليل الاعتماد على المصادر الصينية.
وشدد التقرير على أنه رغم التفاؤل المحيط بالطفرة في الاستثمارات، يحذر الخبراء من أن إعادة بناء سلسلة إمداد مستقلة من المعادن النادرة سيأخذ وقتاً طويلاً.
ولا تزال العديد من المشروعات في مراحلها المبكرة، والصناعة في الغرب تعاني من نقص حاد في الخبرات والمهارات التقنية، وفق التقرير.
وقال بات رايان، الرئيس التنفيذي لشركة «يوكور رير ميتالز»، التي حصلت على تمويل من وزارة الدفاع الأميركية لبناء مصنع لمعالجة المعادن النادرة في لويزيانا: "نحن نعتبر هذا المشروع بمثابة مشروع مانهاتن، يجب أن نتحرك بسرعة لإتمامه.
وعلى الرغم من تفاؤل المستثمرين، يظل السؤال حول قدرة الشركات الغربية على التنافس مع الهيمنة الصينية مفتوحاً، حيث أشار توماس كريمر، المحلل في صناعة المعادن النادرة، إلى أن سلاسل الإمداد الدولية مصممة للعمل بسرعة، ولا يمكنها التكيف مع الإجراءات البيروقراطية الصينية التي تبطئ صادرات المعادن النادرة.
وأكد التقرير أنه بينما تواصل الصين استخدام المعادن النادرة كأداة في التوترات التجارية، تتسارع الولايات المتحدة وحلفاؤها لبناء سلسلة إمداد مستقلة.
وعلى الرغم من التفاؤل الذي يحيط بالطفرة الحالية في الاستثمارات، إلا أن الوقت وحده سيحدد ما إذا كان هذا التحول سيؤدي إلى استدامة في القطاع، أو ما إذا كانت العودة إلى الاعتماد على المصادر الصينية ستظل أمراً مغرياً في المستقبل.